"أنا آسفة لاستقالة وزراء من الحكومة، وأثمن عملهم فيها خلال الفترة الماضية"، هكذا استقبلت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ضربة جديدة لحكومتها، بإعلان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون استقالته من منصبه ليلحق بركب وزير بريكست المناهض للفكرة الأوروبية ديفد ديفيس، واضعًا الحكومة أمام تحديات كبيرة وحرج أكبر. 

خروج من بريكست يقود في ثناياه إلى خروج من الحكومة

كان يومًا دراماتيكيًا بدأ بما اُعتبر"زلزالاً سياسيًا" ضرب شارع "داوننغ ستريت" بلندن حيث مقر الحكومة البريطانية، لكن تبعاته كانت أقوى باستقالة رئيس الدبلوماسية البريطانية برويس جونسون، لينضم إلى طاقم المستقيلين مؤخرًا الذين فضَّلوا أن يتركوا الفريق الحكومي الذي تقوده تيريزا ماي.

استقالة جونسون التي كانت رفضًا لخطة تيريزا ماي القاضية بالحفاظ على علاقات قوية مع أوروبا، جاءت بعد يوم واحد من استقالة الوزير البريطاني المكلف بإدارة ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ديفيد ديفيس، لتجد ماي نفسها تخوض حربًا على جبهتين، إحداهما داخل حزبها الذي يظهر في حالة تمرد، وأخرى من حزب العمال الذي يتهمها بالفشل.

وكانت استقالة ديفيس - رغم شدة ولائه لرئيسة الحكومة تيريزا ماي - بسبب رفضه لإستراتيجية ماي للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وتقويض سياسات حكومة ماي لموقفه التفاوضي مع بروكسل، فهو لم يوافق على اقتراح الاتحاد الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول الماضي الذي من شأنه إبقاء أيرلندا الشمالية في الاتحاد الجمركي الأوروبي، كما أنه لم يرضَ بتسليم ماي سلطات أكثر مما يجب إلى الاتحاد الأوروبي.

وبعد استقالة ديفيس الذي حل محله وزير الإسكان دومينيك راب، وهو أبرز النشطاء في حملة الترويج لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى عام 2016، انسحبت سويلا بريفمان، وهي وزيرة بلا حقيبة وأبرز مؤيدي الانسحاب، إلى جانب استقالة ستيف بيكر الوزير بوزارة شؤون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في الحكومة البريطانية دون أن تعلق الوزارة على سبب انسحابهما.

تأتي الاستقالات بعد يومين من إعلانها تحقيق توافق نادر بين معسكرين متناحرين في حكومتها

وتأتي هذه الاستقالات بعد يومين من اجتماع بين ماي ووزرائها، وإعلانها تحقيق توافق نادر بين معسكرين متناحرين في حكومتها، وموافقة وزراء كبار بشق الأنفس على محددات إستراتيجية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، تتضمن اتفاق بشأن الرغبة في الحفاظ على علاقة تجارية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي بعد خروج البلاد من التكتل.

لكن ذلك لم يشفع لحكومة ماي أن تتعرض لتصدعات مفاجئة، ففي حكومتها من يدعو لانسحاب كامل يأتي على كل الاتفاقات مع الاتحاد بما في ذلك ما يحدد العلاقة التجارية منه، وثمة آخرون يرون أن من شأن الانسحاب السلس أن يحتفظ لبريطانيا بمزايا السوق الأوروبية الموحدة، من خلال إنشاء منطقة تجارية حرة بين الطرفين نظير موافقة بريطانيا على مرجعية قانونية واحدة في الاتفاقات التجارية.

استقالات تعصف بحكومة تيريزا ماي

أزمة الحكومة البريطانية وجدت أصداء لها خارج بريطانيا، فصحيفة واشنطن بوست أشارت إلى أن استقالة جونسون التي تأتي بعد يوم واحد من استقالة الوزير المكلف بملف البريكست، تشكل ضربة لرئيسة الوزراء التي كانت تأمل بإطلاق يدها في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وذكرت الصحيفة الأمريكية عن أسباب الاستقالة أن جونسون وصف خطة ماي الجديدة للخروج من الاتحاد الأوروبي بأنها "كومة كبيرة من الفضلات"، وقال إنه سيكون من الصعب على المؤيدين للبريكست من أمثاله دعم إستراتيجيتها.

وتترك هذه الاستقالات صدعًا غير مسبوق في حكومة ماي، فإضافة إلى أن توقيتها يضعف موقف لندن التفاوضي في المرحلة النهائية مع الاتحاد الأوروبي على شكل العلاقة المستقبلية، فإنه يعيد الزخم إلى دعوات حزب العمال لإجراء انتخابات مبكرة، على اعتبار أنه لا يمكن لـ"ماي" إنجاز الانسحاب البريطاني، وهي المهمة الأساسية التي مُنحت الثقة لأجلها.

كما أن الاتحاد الأوروبي لا يقبل بالحل الوسط الذي تقترحه ماي الذي يُبقي على حرية حركة البضائع دون حرية حركة الأفراد، وربما تدفع الأطراف التي تدعو إلى الخروج "الحاد" من الاتحاد الأوروبي - كما قال جونسون - تيريزا ماي إلى تقديم تنازلات، في مقابل تفضيل ماي وبمساعدة وزير الخزانة ورجال أعمال أو ما يمكن وصفهم بـ"الدولة العميقة" باتجاه خروج سلس وناعم، وربما الأمل في الاتحاد الأوروبي بإبداء موقف ناعم وأقل تشددًا.

الاستقالات تزيد من هشاشة وضع ماي السياسي، مع تزايد حجم الاختلافات والخلافات داخل البيت الحكومي بما يخص مستقبل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بعد البريكست

في سياق ذلك، رأت صحيفة تريبيون دي جنيف السويسرية أن استقالة وزيرين داعمين للخروج من الاتحاد الأوروبي من الحكومة البريطانية تعبير صارخ عن أن الخلافات في النظر للعلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ما زالت عميقة، وجاء في الصحيفة أيضًا أن استقالة الوزيرين أثرت إيجابيًا على عالم الأعمال الذي كان ضد الخروج منذ البداية، ويحاول الدفاع عن خروج مرن، ويقطع العلاقة نهائيًا مع بروكسل.

هذه الاستقالات - بحسب محللين - تزيد من هشاشة وضع ماي السياسي، مع تزايد حجم الاختلافات والخلافات داخل البيت الحكومي بما يخص مستقبل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بعد البريكست، لكن المتحدث باسم الحكومة يقول إن ذلك "لن يؤثر على توجه لإكمال إجراءات الطلاق من الاتحاد الأوروبي".

وصرح زعيم المعارضة العمالية جيرمي كوربن أمام البرلمان تعليقًا على الاستقالات: "وهم الوحدة لم يدم سوى 48 ساعة"، منتقدًا "عامين من المماطلة والفرص الضائعة"، وحذر من أن "مستقبل الوظائف والاستثمارات في خطر"، داعيًا الحكومة إلى التحرك أو الرحيل.

حزب العمال يعد العدة.. هل تصمد ماي بحرب البقاء في منصبها؟

بعد استقالتين بارزتين، لا شك أن ماي تخوض معركة للبقاء في منصبها وهي معركة سياسية قد تنتهي بالإطاحة بها إذا قرر المعارضون لها داخل الحزب المقامرة والدفع باتجاه هذه الإطاحة دون النظر إلى تبعات ذلك، وتقول صحيفة واشنطن بوست أيضًا إن رحيل جونسون يلمح لاحتمال تشكيله قوة تتحدى ماي، إذ يتناقش المؤيدون للبريكست علانية مسألة التصويت لحجب الثقة للإطاحة بماي.

وعدم وجود بديل لـ"ماي" يعني الاتجاه لانتخابات مبكرة، تقول عنها استطلاعات الرأي إنها قد تعود بحزب العمال لرئاسة الوزراء، وهذا ما لا يريده حزب المحافظين، لكن وسائل إعلام بريطانية ترى أنه ليس هناك العدد الكافي من النواب الذين باستطاعتهم التصويت على حجب الثقة من تيريزا ماي.

وحذرت لوسي تشر، وهي كبيرة المحللين السياسيين صحيفة التايمز البريطانية، رئيسة الوزراء ماي من أن الإطاحة بها ربما باتت وشيكة، وقالت تشر إن عمق الأزمة التي تعيشها الحكومة البريطانية جسده إعلان داوينغ ستريت، وإن ماي جاهزة لاحتمال سحب الثقة في البرلمان، وهي أول حكومة قد تُضطر إلى الاقرار بها.

وأوضحت الكاتبة أنه إذا كان من درس يمكن استخلاصه من تجارب أزمات حزب المحافظين، فهي أنها تتفاعل بسرعة، مذكرةَ بأن رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر استقالت بعد أسبوعين فقط من تفجر أزمتها مع خصمها آنذاك مايكل هيسلتين السكرتير الخاص لوزير الدفاع البريطاني.

في العام الماضي خسرت ماي 7 وزراء، وهو رقم قد يؤدي إلى إسقاط سياسي آخر

في المقابل، ترى المراسلة السياسية لصحيفة الإندبندنت أن ماي ما زال لديها دعم وتفويض من الكثيرين في حزبها، لكن استقالة جونسون وقبله بيوم ديفيس جعلتها عرضة للخطر بالنظر إلى ثقل الرجلين المهم في حزب المحافظين، ومع ذلك فإن غياب خليفة موثوق به للقيادة أمر يصب في صالحها، كما تقول.

وفي العام الماضي خسرت ماي 7 وزراء، وهو رقم قد يؤدي إلى إسقاط سياسي آخر، ففي نوفمبر 2017 قبلت تيريزا ماي استقالة وزيرة التنمية الدولية بريتي باتيل على خلفية اجتماعات سرية عقدتها في "إسرائيل" مع مسؤولين إسرائيليين من دون إبلاغ حكومتها بذلك، لتكون خلال أسبوع ثاني وزير يستقيل من حكومة تيريزا ماي التي تهزها سلسلة فضائح.

وباتيل ثاني وزير يغادر الحكومة خلال أسبوع فقط بعد وزير الدفاع مايكل فالون الذي استقال مطلع نوفمبر بسبب فضيحة تحرش جنسي هزت الطبقة السياسية وهددت بإسقاط مقرب آخر من ماي هو نائبها داميان غرين، وكذلك وزير الدولة للتجارة الدولية مارك غارنيير.

ورغم هذا الكم من الاستقالات فإن ماي باقية في منصبها، ويدعم ذلك ما قاله أعضاء البرلمان البرلمان لصحيفة تريبيون دي جنيف إن مخاوفهم تتعلق بالسياسة وليس بالأفراد، ما يشير إلى أن رحيل جونسون قد لا يكون نهاية فترة رئاسة ماي للحكومة.