ما كان مستوراً في مسألة بقاء النازحين السوريين في لبنان اصبح في حالة «تأكيدية» وعلى لسان المتحدثة باسم المفوضية العليا للاجئين في الشرق الاوسط وشمال افريقيا رولا الامين التي قالت حرفياً: «حسب احصاءاتنا هناك 900 الف لاجىء قد لا يعودون الى بلادهم... واننا لن نتحمل مسؤولية عودة النازحين الى اماكن لا يمكننا الوصول اليها وتقديم المساعدات لهم»، هذا الكلام الواضح والصريح يفتح صفحة جديدة من الصراع بين المفوضية والدولة اللبنانية خصوصاً وان رئىس الجمهورية العماد ميشال عون يعتبر هذه القضية جوهرية ومن اولويات الحفاظ على لبنان في ظل تجاهل دولي واقليمي تام لمسألة عودتهم الى بلادهم، وتؤكد مصادر متابعة لهذا الملف من الناحية اللبنانية ان هناك خوفاً حقيقياً لدى المسؤولين اللبنانيين وعلى رأسهم البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي الذي لا يوفر مناسبة او قداسا الا ويثير هذه القضية بشكل اساسي نظراً لتداعياتها على مستقبل لبنان وديموغرافيته الهشة، مع العلم ان مصادر الصرح البطريركي تلفت الى ان سيد بكركي بحث هذا الموضوع بشكل جوي مع الرئيس الفرنسي خلال زيارته الاخيرة الى باريس وبالرغم من عدم تلقيه اجابات جازمة الا ان الادارة الفرنسية مهتمة للغاية بمسألة التركيبة اللبنانية ومدى تأثير بقاء مليون ونصف مليون نازح في لبنان اي ما يعادل نصف سكانه في وقت تعيش البلاد ازمة معيشية واقتصادية غير مسبوقة يضاف اليها وجود حوالى خمسمائة الف فلسطيني ايضاً على الاراضي اللبنانية، ولا شك في ان مصادر الصرح تتخوف من قيام توافق دولي حول ابقاء السوريين في لبنان وهذا الخوف ناتج ايضا من خلال النظرة اللبنانية لهذا الموضوع حيث يبدو ان هناك انقساما لدى الاحزاب والتيارات في مقاربة هذه المعضلة وتدعو الى ان تضع الحكومة الجديدة يدها وفي سلم اولوياتها على هذه القضية نظراً لما تشكله من اهمية بالغة لا يمكن التهاون فيها، وان البطريرك سيبقى على موقفه من هذه العودة في الداخل ولدى المحافل الدولية.
علما ان المصادر المتابعة لهذا الملف لديها مشهد مخيف حسب ما تقول في مسألة تأثير وجود النازحين اقله على الوضع الاقتصادي المخيف في لبنان من خلال التالي:
- اولاً: ان حاجة النازحين من الكهرباء تعادل 480 ميغاوات سنوياً وهذه القدرة الانتاجية كانت لتعطى الى المناطق اللبنانية بحيث تزداد ساعات التغذية بالتيار الكهربائي اربع ساعات كاملة.
- ثانياً: في مسألة استبدال اليد العاملة اللبنانية بالسورية اصبح واضحاً ان هناك بطالة لدى اللبنانيين تعادل 38 بالمائة وهذا رقم مرعب يترافق مع تضاؤل وصول مساعدات من المغتربين اللبنانيين الى اهاليهم كما جرت العادة منذ عشرات السنين نظرا للازمة الاقتصادية التي تضرب العالم بأجمعه، وهذا ما يؤثر من ناحية ثانية على قضية هامة وهي تحويلات النازحين السوريين العاملين في لبنان الى عائلاتهم في سوريا بالدولار الاميركي مما يعني فقدان جزء من العملات الصعبة في السوق.
- ثالثاً: يضاف اليها عدم قدرة المستشفيات الخاصة والحكومة على استيعاب المرضى السوريين وفق واقع ينبئ ان وضعية اسرة المرضى في لبنان كانت تساوي نسبة كل الف مريض مقابل ثلاثة أسر، اما اليوم فالواقع تبدل الى الاسوأ بالاضافة الى ظهور امراض كانت قد اصبحت من ماضي اللبنانيين على النازحين السوريين مثل الحصبة حيث تم تسجيل 1412 حالة في شهر تموز 2014 وكذلك مرض الشيمانيا غير الموجود اساسا في لبنان وسجل ظهور 420 حالة بفعل الاكتظاظ السكاني للنازحين، كما ان الضغط على المرافق الصحية ازداد بنسبة اربعين بالمائة وكذلك تفاقمت النفايات حيث ازداد حجمها الى نحو الربع!!
وبعيداً عن اي رؤية سياسية مقبلة وما تحمله التطورات في المنطقة للبنان لا بد من قراءة مسؤولة وموضوعية لهذه الوضعية للنازحين السوريين قبل ان يصبحوا لاجئين مثل الفلسطينيين!!