ايمن عبدالله
بعد أن كادت تنفجر في العراق على خلفية نتائج الانتخابات التشريعية الاخيرة والمطالبة بإعادة الفرز يدويا، صُدم المتابعون في الساعات القليلة الماضية باعلان تحالف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس ائتلاف «الفتح» هادي العامري، تحالفهما في ائتلاف حكومي لقيادة البلاد خلال السنوات الأربع المقبلة.
حصل ائتلاف «سائرون» المدعوم من زعيم التيار الصدري على 54 مقعدا، وحل ثانيا بـ 47 مقعدا تحالف «الفتح» المدعوم من الحشد الشعبي الحليف لإيران، بينما حصل ائتلاف «النصر» بزعامة رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي على 42 مقعدا، بعد أن كانت التوقعات تشير الى حصوله على ما يزيد عن 50 مقعد. ولكن هذه النتائج لم تمكّن أي فريق من تولي الحكومة بنفسه اذ ان الدستور العراقي ينص على حصول الكتلة الأكبر على 165 مقعداً من أصل 239 حتى تتمكن من تشكيل الحكومة.
شهدت الساحة العراقية مؤخرا «معركة» سياسية كبيرة بين الكتلتين الأكبر برلمانيا، كتلة «سائرون» القريبة  من السياسة السعودية، وكتلة «الفتح» الحليفة لإيران، الامر الذي كاد أن يودي بالعراق الى هاوية لن تحمد عقباها، كذلك كان للازمة العراقية تأثيرها الكبير على الوضع في لبنان، اذ تعلّق ملف تشكيل الحكومة اللبنانية بمصير الازمة العراقية بطلب سعودي سمعه بوضوح رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري إبان زيارته الى المملكة.
من يستمع الى تصريحات المسؤولين السعوديين والايرانيين في الأيام الماضية يعلم أن الصراع بين المحورين على أشده، من لبنان الى سوريا فالعراق واليمن، ويحاول كل فريق أن يتبنى المنتصر في الانتخابات التشريعية في لبنان والعراق، وهذا ما يفسر أخيرا كلام قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني عن ان حزب الله وحلفاءه تمكنوا من تحقيق الاغلبية في مجلس النواب، الامر الذي تراه مصادر سياسية في غير مكانه ولو كان صحيحا، مشيرا في الوقت نفسه الى أن المطلوب هو النظر لما وراء كلام سليماني لأن الامر على علاقة بالحديث السعودي في العراق، فالأمور كلها مترابطة بعضها ببعض.
لم تكن السعودية بوارد تقديم التنازلات في الحكومة اللبنانية قبل معرفة حصيلة ما يجري في العراق وشكل الحكم الجديد، لذلك قام الحريري بحسب المصادر بالتشدد بمطالبه الحكومية واعلانه صراحة رفضه التنازل عن أي مقعد سني للفريق السني المعارض له، اذ ان المقاعد الوزارية السنية في الحكومة تمثل «السعودية» والتنازل عن أي منها هو تنازل عن قطعة من النفوذ السعودي في لبنان. وتضيف المصادر: «كان حلفاء إيران في لبنان يعلمون بأن مهمة تشكيل الحكومة لن تكون سهلة كما يظنها البعض، وأن رئيس الجمهورية ميشال عون لن يتمكن من إعلان انطلاق عهده «حكوميا» من دون الأخذ بالاعتبار الشؤون الاقليمية، لذلك كان تباطؤ الحريري مفهوما».
لا يمكن للمحور السعودي أن يرضى بأن يزيد نفوذ ايران في لبنان عن 50 بالمئة،  دون أن يكون نفوذه في العراق زائدا عن 50 بالمئة، لذلك تم ربط الملفين بشكل كبير. اما المفاجأة فكانت بخطوة التحالف بين الصدر والعامري، اذ كانت أفضل التوقعات تشير الى مرحلة طويلة من الأخذ والرد، وكانت توحي بأن انقلابا عراقيا على وشك الوقوع سيؤدي حتما الى تأخير اعلان الحكومة اللبنانية، الا ان الخطوة العراقية إن استكملت سريعا بضم مكونات أخرى من البرلمان العراقي الى التحالف وتشكيل الحكومة ستؤدي الى تسريع عملية التشكيل في لبنان، الا اذا كان الصدر قد أتخذ قرار التحالف مع العامري بشكل مستقل عن الفريق السعودي.
تكشف مصادر سياسية متابعة أن خطوة الصدر وإن كانت واضحة بنتائجها على الأرض العراقية، الا انها لا تزال غامضة بأسبابها، مشيرة الى أن انعكاسها على لبنان سيظهر بعد عيد الفطر من خلال تصرفات رئيس الحكومة المكلف. وتضيف: «زار الجنرال قاسم سليماني بغداد بعد صدور نتائج الانتخابات لترتيب البيت الشيعي الداخلي الذي أصيب بجروح كثيرة أنهكته، ودعا خلال جولاته على القوى الشيعية لإعادة اللحمة والترابط لمنع تضييع الانتصار الذي تحقق على الارهاب وداعش، ولكن نتائج زيارته لم تتوضّح في حينها».
وتلفت المصادر النظر الى أنه علينا الانتظار أياما قليلة لتبيان حقيقة الخطوة الصدرية، ومعرفة مدى تنسيق الصدر مع الداعم الأساسي له في الانتخابات العراقية أي السعودية، وبالتالي فإن كانت الخطوة قد تمت بتنسيق معهم فهذا يعني أن اتفاقا سعوديا ايرانيا على تقاسم النفوذ في العراق قد حصل، الامر الذي سيؤدي حتما الى اتفاق مماثل في لبنان يتيح تشكيل الحكومة سريعا، أما بحال كانت الخطوة الصدرية ناجمة عن جهد إيراني استثنائي انتزع مقتدى الصدر من الحضن السعودي وأعاده الى الحضن الإيراني، فهذا يعني ان السعودية خسرت في العراق ولن ترضى بهزيمة مماثلة في لبنان، ما يعني أن الحكومة لن تبصر النور قريبا.
دخلت منطقتنا في مسار جديد، قوامه التفاوض على الحدود والحقوق والمقايضات بين الدول، من الجولان الى الأردن، والحدود اللبنانية الجنوبية والبحرية، ولكن هذا المسار مليء بالألغام التي قد تنفجر في أي لحظة.