لا يزال الصراع على أشدّه بين وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل وبين المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان لا سيما على موقفين متناقضين: تشجيع وتسريع عودة النازحين السوريين من قبل الوزارة مقابل «منع العودة المبكرة» من جانب المفوضية. وأعاد باسيل التأكيد من بلدة عرسال أمس على أنّه «لا عودة عن العودة» بالنسبة للبنان، وأنّه سيقوم بكلّ ما يعطيه القانون من صلاحيات لإنجاز هذه العودة التي يريدها جميع اللبنانيين وكذلك السوريون، من دون إحداث أي مشكلة مع الأمم المتحدة أو مع المفوضية العليا للاجئين العاملة في لبنان، بل السعي الى جعلها تستكمل تقديم المساعدات لهم بعد عودتهم الى بلادهم.
وفي ظلّ انتظار ما سينجم عن تحرّك باسيل في الخارج واجتماعه بالمفوّض العام لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي في جنيف، ووضعه في صورة مطبّات عدم تطبيق خطة لبنان المتعلّقة بالنزوح السوري، يجد البعض بأنّ القانون رقم 10 الذي أصدرته السلطات السورية لتنظيم المناطق في سوريا، وانتقده كبار المسؤولين في لبنان والعالم ولا سيما المستشارة الألمانية انغيلا ميركل، يجعل النازحين السوريين مشتّتين في أنحاء العالم. وهذا يعني بأنّه يجبرهم على البقاء في لبنان خصوصاً إذا كانوا من ضمن المعارضين للنظام السوري، أو يخشون العودة بسبب التجنيد الإجباري أو الخدمة الإجبارية أو كونهم حملوا السلاح في وجه النظام.
غير أنّ أوساطاً ديبلوماسية أوضحت أنّ وزارة الخارجية سطّرت رسالة في هذا الإطار، الى وزير الخارجية السوري وليد المعلم شرحت فيها تخوّفها من هذه المسألة، وتلقّت منه جواباً مطمئناً أزال نقاط القلق من القانون رقم 10. وأوضح فيه أنّه يسمح للسوريين داخل سوريا وخارجها من تثبيت حقوقهم، سواء من قبلهم شخصياً أو من خلال وكالة قانونية أو عبر أقاربهم حتى الدرجة الرابعة، ما يعني أنّ أحد أفراد العائلة يمكنه تثبيت هذه الملكية عبر تقديم السندات القانونية، خلال فترة سنة تبدأ من تاريخ صدور القانون. ولعلّ الإجراء الذي جرى اتخاذه بتمديد المدّة الزمنية لإثبات الملكية من شهر الى سنة واحدة، من شأنه أن يتيح لأكبر عدد ممكن من النازحين السوريين في لبنان ودول الجوار من العودة لتثبيت ملكية المساكن والعقارات وسواها.
وبهدف طمأنة النازحين أكثر، جرى التأكيد على أنّ هذا الأمر ليس الهدف منه نزع ملكية أحد، سيما وأنّ المادة 15 من دستور البلاد تمنع مصادرة أي ملكية إذا لم تكن للمنفعة العامة، بل العكس تماماً الحفاظ على ملكيات وحقوق المواطنين السوريين وتنظيمها بشكل قانوني. ففي ظلّ سيطرة الإرهابيين على بعض المناطق السورية حصلت عمليات التغيير في الملكيات والتزوير في الوكالات وإحراق السجلات العقارية والتلاعب بالملكيات الخاصة، ولهذا تودّ الحكومة السورية إعادة تنظيم هذه الملكيات لإعادة الحقوق الى أصحابها. وهذا الأمر يجب أن يدفع النازحين السوريين الى العودة لتثبيت ملكياتهم وإعادة إعمار ما تهدّم منها، قبل فقدانها بسبب عمليات التزوير التي حصلت من قبل الجماعات الإرهابية التي سطت على كلّ شيء خلال وجودها في بعض المناطق.
في المقابل، فإنّ هذا الوقت الكافي للنازحين السوريين لتثبيت ملكيتهم لا يعني أبداً ضرورة أن يبقوا لمدة سنة إضافية في لبنان أو حيث هم، إذ بإمكانهم تقديم المستندات المطلوبة منهم وإثبات ملكيتهم في غضون 48 ساعة، وفي حال لم تكن بحوزتهم فيمكنهم استصدار نسخ منها من دوائر المصالح العقارية في سوريا خلال مدّة لا تتجاوز بضعة أيّام.
واستكمالاً لهذا القانون، فإنّ الحكومة السورية دعت في الوقت نفسه، على ما أوضحت الأوساط نفسها، الى عودة النازحين خصوصاً الى المناطق الآمنة والمستقرّة، تزامناً مع إصرار لبنان على تشجيع وتسهيل عودة النازحين من عرسال الى بلدة جنّ السورية الذين تسجّلوا خلال ثلاثة أيام فقط وتجاوز عددهم الـ 3600 أو 3700 نازح، لكي لا يبقى لديهم أي خوف أو هاجس من هذه العودة.
وعن مسألة «تخويف» المفوضية النازحين من خلال طرح الأسئلة عليهم المتعلّقة بمستقبلهم، كعدم بقاء منازلهم على حالها، أو إمكانية خضوعهم مجدّداً للتجنيد الإجباري أو للخدمة الإجبارية، وفقاً لأعمار الشباب منهم، أكّدت الاوساط أنّ رسالة ثانية متعلّقة بهذا الشأن قد تلقّاها الوزير باسيل من نظيره السوري، شرح له فيها أنّ الحكومة السورية حريصة على مواطنيها وعلى عودتهم الى وطنهم، وأنّها ناشدتهم للعودة وأبدت استعدادها لتوفير متطلّبات العيش الكريم لهم، وأنّها حالياً بصدد القيام بالمصالحات مع الذين حملوا السلاح، فكيف ستتعامل إذاً مع العائدين من المدنيين. علماً أنّ غالبية النازحين السوريين في لبنان يؤيّدون النظام الحالي، وإلاّ لما كانوا أعادوا انتخابه أخيراً في السفارة السورية في لبنان.
وبناء عليه، لم يعد أمام المجتمع الدولي أي ذريعة لكي «يمنع» عودة النازحين السوريين، لا سيما أولئك الراغبين منهم بالعودة منذ سنوات، ولم يتمّ التجاوب مع رغبتهم. وإذ تطالب المفوضية أن يتمّ تأمين المسكن والعمل والمدرسة والمستشفى بالقرب من كلّ نازح عائد، فضلاً عن ضرورة عودته الى منطقة آمنة، تقول الأوساط نفسها بأنّ الخارجية والأمن العام يعملان سوياً من أجل عودة كريمة وآمنة لهم حيث يُمكن للمفوضية أن تتابع أوضاعهم في مناطقهم في سوريا، وتأمين كلّ ما يحتاجون له على الأقلّ في الفترة الأولى، من خيم (إذا كانت منازلهم مهدّمة) وبطانيات وأغطية بلاستيكية وغيرها. وأوضحت بأنّ الذين يريدون العودة من عرسال الى القلمون يبلغ عددهم نحو 31 ألف نازح تسجّل منهم 3700 فقط  لأنّهم لم يُمنحوا سوى ثلاثة أيّام. ومن أجل عودة الباقين لا بدّ من تنفيذ مراحل لاحقة لهذه العودة. وثمّة نازحون آخرون في عرسال أيضاً يودّون العودة الى منطقة القصير، إلاّ أنّ لبنان يتريّث عن تشجيع هؤلاء حالياً ريثما يتمّ تثبيت الوضع الأمني فيها.
ولأنّ المفوضية ليست بوارد تنظيم عودة النازحين السوريين الى بلادهم، على الأقلّ في هذه الفترة بالذات، فإنّ لبنان أخذ على عاتقه أمر إعادة كلّ من يستطيع تسهيل عودته الى منطقته. إلاّ أنّه يحتاج بالتالي الى تأييد المجتمع الدولي لسياسته، أو لخطته الوطنية بتحقيق العودة ولهذا سوف يطلب باسيل منه المساعدة على تنفيذها، على مراحل، وبأعداد أكبر من النازحين السوريين. علماً أنّ عدداً لا بأس به من السوريين يمكنه العودة اليوم من دون الحاجة الى تنظيم للرحلات وتأمين الباصات، سيما وأنّه يزور بلاده باستمرار. ولهذا سيعمل لبنان، وفقاً للقوانين الدولية، على نزع «صفة نازح» عن كلّ شخص يزور سوريا في عطلة نهاية الأسبوع أو في مناسبات الأعياد، ويعود الى لبنان ويحصل على المساعدات من المفوضية على أنّه نازح.
وتشير المعلومات الى أنّه حالياً في لبنان نحو 136 مخيّماً للنازحين السوريين موزّعين في المناطق كافة تضمّ ما يُقارب مليون نازح سوري مسجّلين لدى المفوضية، فيما هناك نحو مليون آخر يعملون كنواطير في مبانِ عدّة في بيروت وخارجها، أو يقيمون في شقق للإيجار، وهؤلاء هم أيضاً مدعوون للعودة بعد الإنتهاء من إعادة المقيمين في الخيم، من ضمن استراتيجية ستتفق عليها الحكومة العتيدة وتُدرجها في بيانها الوزاري لإنهاء مشكلة النزوح التي أدّت الى انهيار الإقتصاد اللبناني خلال السنوات السبع الأخيرة.