لم يسبق ان شهدت الساحة السياسية ، مثل هذا الحيِّز الواسع من المداخلات والتدخلات الخارجية، الاقليمية والدولية، على خط  تأليف الحكومة،  بالتزامن مع صراعات خفية تجري بين اطراف الداخل اللبناني، مدعومة بـ «رسائل» مشفَّرة  من الخارج تتركز على رسم الحصص الوزارية، بما لا يجعل من «حزب الله» القوة الوزارية الوازنة التي من شأنها ان ترسم سياسات وتمنع اي «انحراف» عن المسار المرغوب به داخليا واقليميا، بما يشكل ذلك من تقييد الداخل امام التداعيات التي يتركها المسلسل المتوالي فصولا من العقوبات الاميركية والخليجية ضد «حزب الله» وقيادييه، والتي سبقتها استهدافات مباشرة وغير مباشرة.
واللافت على خط تأليف حكومة ما بعد الانتخابات، وفق اوساط سياسية متابعة، ان المسار «السلحفاتي» الذي يسير عليه الرئيس المكلف سعد الحريري، ينسجم مع المصلحة السعودية التي تركز على استهداف «حزب الله» والتضييق عليه في الشأن الحكومي، وهو ما توقعته القوى والتيارات السياسية المؤثرة في التوازنات الجديدة التي انتجتها الانتخابات النيابية، وسط مناخ سياسي مُثقل بالتداعيات التي خلفتها خارطة لولبية من التحالفات الانتخابية انتهت بتموضعات سياسية فجَّرت صراعات بين افرقاء الطائفة الواحدة..واللون السياسي الواحد.
وتلفت الاوساط الى ان «بدعة» المقايضة بين بعض الممسكين باحزاب الطوائف في السلطة ، تعكس حماسة «التيار الوطني الحر» الساعي الى خرق التمثيل الوزاري الدرزي ، مع «ريق حلو» من الرئيس الحريري لتوزير النائب طلال ارسلان ، فيما يضع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط «فيتو» عليه، انطلاقا من «الحق في حصة وزارية كاملة للمقاعد الدرزية ، انسجاما مع نتائج الانتخابات، وبعيدا عن «النفخ النيابي» الذي يعتمده رئيس «الوطني الحر» جبران باسيل ، لكن الرئيس الحريري، وبعد الزيارة الجنبلاطية «الودية والمثمرة» الى السعودية سيجد نفسه ملزما بانتظار حصيلة اي « مشاورات» تجري بين اطراف لبنانيين ومملكة آل سلمان، وعليه، سيجد الحريري ضرورة لاستكشاف ما قاله جنبلاط في السعودية وما يمكن ان يكون قد يحمله من تطمينات في الداخل اللبناني من البلاط الملكي، لمراعاة «الرغبات» السعودية، وهو مهد لذلك باشاراته الى انه ما زال في مرحلة وضع التصور بشأن كيفية تقسيم الحصص، موحيا انه مع ان يكون الافرقاء الاساسيون الكبار داخل الحكومة. 
وبرأي الاوساط، لا يبدو ان الحريري سيكون منزعجا من  تمثيل «غير لائق»،  للحجم النيابي لـ«القوات اللبنانية» في الحكومة الجديدة، طالما ان اساسا استراتيجيا للتحالف بات موضوعا بينه وبين باسيل وتياره «القوي»، تلبية للمصلحة المشتركة باضعاف الآخرين داخل الحكومة، وخلق مناخ متناغم بين رئاسة الجمهورية و«تيار العهد القوي» ورئاسة الحكومة وتيارها المنتكس انتخابيا وسياسيا، يحاصر الاقوياء في الساحتين المسيحية والسنية.. والدرزية اذا تيسَّر!، فيما صراع الاحجام النيابية التي ستكون المعيار الذي على اساسه ستتوزع الحصص الوزارية داخل الحكومة يتصاعد، مع «ابتداع» رئيس «التيار الوطني الحر» سياسة النفخ النيابي و«تفريخ» كتل ملحقة بتياره «القوي» بهدف الكسب الوزاري والاستئثار بمعظم الحصة المسيحية، بعد ان «قوطب» على الجميع بالدعوة الى فصل حصة «التيار» عن حصة رئيس الجمهورية.
وترى الاوساط ان ارتفاع منسوب «التريُّث» المفتعل في تشكيل الحكومة، يشكل ترجمة حقيقية للرغبة السعودية في اعادة خلط الاوراق والعمل على محاصرة النفوذ القوي لـ «حزب الله» وفريق واسع من حلفائه، بعد ان اصبح وزنه داخل السلطة التشريعية مُزعِجا للعديد من القوى المحلية والجهات الاقليمية والدولية، سيما وان الارتياح الايراني من الحجم النيابي لـ «حزب الله» وما يسمونه «عملاء ايران»، الذي عبر عنه قائد لواء القدس في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني، جاء ليؤكد ما قاله اخصام «حزب الله» في لبنان قبل سليماني، عن ان الحزب هو «الفائز الاكبر» في الانتخابات، فثمة مصلحة سعودية في تعليق تشكيل الحكومة ، تجنبا لترجمة هذا الفوز برسم سياسات «غير مرغوب بها» سعوديا، ما يؤدي الى تأجيل محاولات تكريس سياسات وتسوية ملفات، ستكون بالتأكيد لمصلحة «حزب الله» وفريقه.
ملفات ساخنة بانتظار الحكومة..
وتتناول الاوساط نفسها ، ابرز الملفات الخلافية المتوقع ان تُحدث اهتزازات داخل الحكومة الجديدة بعد تشكيلها ، بالنظر الى ما تحمله من تحديات وسخونة سياسية لدى اكثر من فريق:
ملف النفط والغاز والبلوكات البحرية الواقعة عند تخوم المياه الاقليمية لفلسطين المحتلة في منطقة رأس الناقورة الحدودية، وما يحمل من تحديات سيادية ومصيرية، في ضوء الدخول الاميركي على خط الثروة النفطية للبنان، والساعي الى تكريس ما يمكن ان يحقق مصلحة للكيان الاسرائيلي من اطماع في اجزاء من البلوك رقم «9» على حساب المصلحة اللبنانية، بالرغم من الموقف الرسمي اللبناني الذي اعلن في لقاء الرؤساء الثلاثة، الا ان الضغوطات الاميركية التي قد تتصاعد على لبنان ، قد تدفع بالبعض الى التسليم بـ «المعالجة» الاميركية التي تستند الى رؤية تدعو الى تقاسم البلوك.
ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية، ويتصدَّر ملفُ اكثر من مليون ونصف المليون نازح سوري، واعادة فتح طريق بيروت ـ دمشق  التي تشكل المفتاح لمعالجة شاملة لملف عودتهم، بعيدا عن اي حسابات محلية او اقليمية او دولية، بعد نجاح عودة «بالمفرق» لبضعة آلاف منهم، فلا ترى الاوساط نفسها، مصلحة لفريق من القوى السياسية وابرزه الرئيس سعد الحريري و«القوات اللبنانية» والنائب السابق وليد جنبلاط، وهؤلاء تلقوا اشارات سعودية لا تُشجِّع عودة النازحين، فضلا عن الريبة التي طغت على سلوك هيئات الاغاثة التابعة للامم المتحدة التي تعيش ازمة مع وزير الخارجية، لا مصلحة لفريق حكومي وازن في طرح ملف العلاقة مع الحكومة السورية على طاولة مجلس الوزراء، مع انهم «مرَّروا» عودة قرابة الـ 5 آلاف نازح نظمها الامن العام اللبنانية على مراحل، بجهود من مديره العام اللواء عباس ابراهيم الذي يُعِدُّ لعودة دفعة جديدة تقدر بحوالى 3600 نازح من مخيمات عرسال، بعد ان سبقتها خطوة مماثلة في شبعا.
كل هذه الملفات، وملفات اخرى اقل شأنا، سيحدث طرحها داخل حكومة العهد الاولى تصدعات جسيمة، وهو ما لا يرغب به معظم القوى المشاركة في الحكومة، بخاصة «الثنائي الشيعي» الممثل بحركة «امل» الذي دعا رئيسها رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الاسراع في تشكيل الحكومة وتجاوُز كل العقبات، وشريكه في السراء والضراء.. «حزب الله» الذي كان امينه العام السيد حسن نصرالله السباق في اطلاق اشارات التهدئة على خط تشكيل الحكومة، فيما تستبعد الاوساط ان يتجه رئيس الحكومة الى الانفتاح على دمشق ، بالرغم من حساسية ملف النازحين ، فثمة من يرى ان خطوة كهذه هي خطوة متقدمة، لكن دونها صعوبات تتعلق بالمناخ السياسي الذي لم يبلغ بعد مرحلة النضوج، سيما وان التجاذبات الداخلية والضغوطات السعودية في هذا الاتجاه التي تلقي بثقلها على الواقع اللبناني، لن تدفع بالرئيس الحريري الى ملاقاة دمشق في ملف النازحين، وان كانت المصلحة اللبنانية في ذلك تفوق بكثير المصلحة السورية، بل سيميل الى تقطيع الملفات وتدوير الزوايا، من خلال توسيع دور الاجهزة الامنية في تنسيق العمليات الخاصة بعودة النازحين والتي عبَّدت الطريق بين بيروت ودمشق، والسعي لوضع ملف العلاقة مع دمشق في «ثلاجة» الملفات المطويَّة.. حتى اشعار آخر.