اذا كان اللبنانيون عاجزين في ما بينهم عن مقاربة موّحدة لعودة النازحين السوريين الى بلادهم، فان هناك مشكلة كبيرة تنتظرهم، اين منها مشكلة خلافهم على الوجود الفلسطيني المدني والعسكري، الذي ادّى في نهاية الامر الى نشوب حرب، ازهقت ارواح مئات الالوف، ودمّرت لبنان واعادته سنوات طويلة الى الوراء وما زلنا حتى اليوم نجتّر تداعياتها الموجعة ونتائجها الكارثية.
لا يمكن لاي لبناني مهما كانت طائفته ومذهبه، ولا يجوز له، ان يتغلب عنده الشعور الديني على الشعور الوطني، او الانتماء لطائفة او مذهب، على الانتماء للبنان الوطن، كما حصل في سنوات السبعينات وما بعدها، واذا كنا لم نتعلّم من اخطاء الماضي، فتلك مصيبة، اما اذا تعلّمنا ولم نرتدع، فالمصيبة اكبر بكثير واعظم، لانها على مشارف ان تقودنا الى مستقبل اسود اذا لم نتدارك سريعاً حلول كرة النار الكارثية.
للذين لا يعرفون بعد، او يعرفون ويتجاهلون، ان لبنان انفق حتى الساعة مبلغ ثمانية مليارات دولار على النازحين السوريين، دون ان ندخل في نفقات البنى التحتية، وخسائر المنافسة السورية للعمال والموظفين اللبنانيين، وللحرفيين واصحاب المحال التجارية ووسائل النقل، وللانتاج الزراعي وغير الزراعي، واذا كان فريق من اللبنانيين لا يرى ضيراً في هذا الشأن، ولا يلمس ان دولته، ليست في بداية الانهيار، بل هي في قلبه، فعبثاً عندها كلام المنطق في حضرة من اغلق عينيه وسكّر اذنيه عن الفاجعة المنتظرة التي سوف تجرفه الى النهاية المحتمّة.
*    *    *
قد لا يتفق كثير من اللبنانيين مع المواقف التي يتخذها وزير الخارجية جبران باسيل، وانا منهم، ولكن يجب ان لا نخلط بين هذه المواقف المتعلقة بالقضايا اللبنانية الداخلية، وبين موقفه من النازحين السوريين، وهرطقات المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة، مع انني كنت اتمنى ان يتسلّح بموقف حكومي جامع برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري وبحضور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، قبل ان يأخذ التدبير بحق اقامات موظفي المفوضية، ولكن هذا لا يعني ان المفوضية على حق، لان الاستماع الى التبريرات التي يتسلّح بها مسؤولو المفوضية لتوضيح مواقفهم المدانة، وكان آخرها ما نطقت به المسؤولة الاعلامية للمفوضية، هو من «الاعذار الاقبح من الذنب» ويدّل على نيّة مبيتة لعرقلة عودة النازحين وترك الزمن يحلّ مشكلتهم بتوطينهم حيث هم، وهذا الموقف مرفوض لان اللبنانيين المنتمين حقيقة الى لبنان، مصمّمون الا «يلدغوا من الجحر مرتين».
الجميع امام الامتحان الوطني، وعسى الا يسقط احد فيه.