بعد القرار الأخير الذي اتخذه وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل بحقّ المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وإبلاغها به رسمياً عبر القنوات الديبلوماسية، والقاضي بعدم تجديد إقامات الموظّفين الأجانب العاملين لديها، خشي البعض من توريط لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي تصل الى حدّ فرض عقوبات عليه، سيما وأنّ هذا الأخير يؤجّل حالياً فكرة إعادة النازحين السوريين الى بلادهم، وينوي «توطينهم» وإدماجهم في البلدان المضيفة أي في كلّ من لبنان والأردن وتركيا. ولكنّ هذا البعض يغضّ النظر بالتالي عن النتائج التي حصلت عليها اللجنة المشتركة من وزارة الخارجية والأمن العام التي قامت بتحقيق مع النازحين السوريين في بلدة عرسال، وخلصت الى أنّ المفوضية تعمل على «تخويفهم» من العودة، كما أنّها تفصل بين موقف ربّ الأسرة وزوجته بحجّة اعتمادها على المعايير الدولية وحقوق الأفراد.
 أوساط ديبلوماسية عليمة طمأنت بأنّ وزارة الخارجية لا تقوم بأي تصرّفات عبثية أو إعتباطية، لا مع المجتمع الدولي ولا مع سواه، بل تقوم بما تملكه من صلاحيات يمنحها إياها الدستور والقانون، وإن كانت الحكومة قد دخلت اليوم بعد الإنتخابات النيابية مرحلة «تصريف الأعمال». فتصريف الأعمال لا ينطبق على حالات الضرورة، وقد وجد الوزير جبران باسيل أنّ ما قام به يدخل من ضمن هذه الضرورة التي أباحت القرار المناسب الذي اتخذه بحقّ المفوضية، خصوصاً بعد استدعاء ممثلة مكتب المفوضية ميراي جيرار مرتين الى وزارة الخارجية، وتحذيرها من اعتماد سياسة مغايرة لمصلحة لبنان.
وإذ حاولت المفوضية نفي نتائج التحقيق التي توصّلت اليه اللجنة المشتركة، مشدّدة على أنّ جلّ ما يهمّها الظروف التي سيعيش فيها النازحون السوريون فور عودتهم، وليس فقط الوضع الأمني المستقرّ، ذكرت الأوساط أنّ الوضع في لبنان لا تتوافر فيه شروط العيش الكريم لهم، ولهذا تُشجّع وزارة الخارجية النازحين الراغبين بالعودة الى المناطق الآمنة التي هي اليوم بحدود 80% من مساحة سوريا، وهذا لا يعني أبداً أنّها تريدهم أن يعودوا الى مناطق غير آمنة، أو أنّها تدفع بهم الى الموت هناك، على العكس تماماً، إنّما تودّ الخارجية أن تفكّ المفوضية الضغط عليهم لكي يتمكّن لبنان من حلّ أزمة النازحين وتسهيل عودتهم بمساعدة كلّ من يستطيع تقديمها له.
أمّا تصعيد الخارجية الذي لا يبدو أنّ باسيل سوف يتراجع عنه، سيما وأنّه يدخل ضمن الإتفاقات الدولية والقوانين المرعية الإجراء، إلاّ في حال حسّنت المفوضية من سلوكها ليتماشى مع سياسة لبنان، فلا يطال حالياً سوى موظّفين في المفوضية، على أنّه سيطال بعد فترة تجميد إقامة شخصين مهمّين فيها، قد يكون أحدهما ممثلة المفوضية نفسها.
وعن إمكانية تعطيل عمل المفوضية ووقف تقديم المساعدات لنحو مليون نازح سوري مسجلين لديها، قالت الأوساط الديبلوماسية نفسها، بأنّ لبنان يرفض أن تكون هذه المساعدات «مشروطة» بإبقاء النازحين على أراضيه، خصوصاً وأنّ الدستور والشعب والسياسيين مجتمعين يرفضون «التوطين». ومن هنا، فإنّ عودة النازحين الى المناطق الآمنة في بلدهم، لا سيما القلمون والقصير وسواهما، لا توقف المساعدات عنهم، بل تستمرّ من قبل المفوضية لمدّة شهرين على الأقلّ، الى أن يقوم كلّ منهم بتأمين المسكن والعمل والمدرسة لأولاده، وكلّ احتياجاته الأخرى.
وذكرت الاوساط بأنّ ثمّة 3600 نازح سوري يتحضّرون اليوم للعودة من بلدة عرسال الى مناطقهم، وعلى المفوضية مساعدة لبنان على تحقيق هذه الخطوة، لا سيما وأنّها ستؤدّي الى مغادرة 40 ألف نازح سوري منها بملء إرادتهم، بدلاً من أن تعمل على إثارة القلق في نفوسهم بعد أن اتخذوا قرارهم.
وإذ أكّدت المفوضية العليا للاجئين في جنيف على أهمية العمل مع لبنان لإيجاد الحلول، مطالبة بإعادة النظر سريعاً بقرار وزير الخارجية، تشير المعلومات الى أنّ باسيل ينتظر تصرّف المفوضية في لبنان التي أعطتها مهلة أسبوعين لتصحيح سياستها المتبعة (والتي لا تريد الإعتراف بها) حيال قضية النازحين السوريين والتي تتناقض مع سياسة لبنان ومصلحته الوطنية وسيادته وقراره الوطني برفض التوطين، قبل أن يعيد النظر في أي شيء. وما جرى الحديث عنه عن تجميد هذا القرار بطلب من رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري لم يحصل خلال اللقاء الذي جمع الرجلين، بل قام خلاله باسيل بشرح الموضوع بتفاصيله لرئيس الحكومة الذي يودّ ضمناً عدم خلق مشكلة مع المجتمع الدولي، لكنّ ما يهمّه أولاً هو مصلحة لبنان وشعبه.
ولهذا يحتاج لبنان في هذه الفترة، على ما أضافت الاوساط، الى إجماع وطني سيما وأنّ مسألة بقاء النازحين السوريين على الأراضي اللبنانية تمسّ ليس فقط بالإقتصاد إنّما أيضاً بالوجود وبمستقبل الأجيال الصاعدة. وهذا الإجماع مطلوب بإلحاح حالياً بدلاً من الأصوات المنتقدة التي تُسمع من هنا وهناك على أنّه «تصرّف آحادي» أو أنّ باسيل غير معني به، فضلاً عن تخوّفها من اصطدام قرارات وزارة الخارجية مع المقترحات الدولية. علماً أنّ هدف هذه المقترحات هو إراحة جميع الدول التي رفضت استضافة النازحين السوريين، أو التي أقفلت الحدود في وجههم، أو عملت فيما بعد على طردهم، أو تلك التي تخشى من أن يفرّوا اليها مجدّداً، في حال عادوا الى مناطقهم، ونشبت الحرب مرة أخرى هناك.
وتقول الاوساط بأنّه كما عاد اللبنانيون الذين هربوا من حرب تموز- آب من العام 2006 في اليوم نفسه الذي أوقف فيه القرار الدولي 1701 الأعمال العدائية بين لبنان والجانب الإسرائيلي، ودعا فيه الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله المواطنين للعودة، من دون أن يكون لديهم أي هواجس تتعلّق بمساكنهم وأعمالهم ومدارس أولادهم، فلا شيء يمنع اليوم النازحين السوريين من العودة الى مناطقهم. والمجتمع الدولي يعلم بأنّ مساحات المناطق الآمنة والمستقرّة في سوريا تفوق مساحة لبنان بآلاف الكيلومترات، وإلاّ فكيف يُفسّر عودتهم بمناسبة الأعياد الى ديارهم، وبعدها يرجعون الى لبنان لاستكمال أعمالهم؟!
وميّزت الأوساط بين المنظمات الدولية وبين مفوضية اللاجئين في لبنان، إذ ذكرت أنّها برنامج تابع للأمم المتحدة، كما أنّ الخارجية لا يهمّها شنّ الحرب عليها، بقدر ما تعمل على تنبيهها من أجل تحسين أدائها انطلاقاً من أنّها معنية بالتعاطي مع المنظمات الدولية ومراقبة عملها في لبنان، كما مراقبة كلّ البرامج التابعة لها. وكون هذه الأخيرة عاملة على الأراضي اللبنانية، فلا يحقّ لها التصرّف، ضدّ مصلحة الدولة المضيفة، وخلافاً لسياسة لبنان التي تُشدّد على ضروة عودة النازحين السوريين الى بلادهم، (واللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم أيضاً) نظراً للأعباء الضخمة التي يتكبّدها لبنان جرّاء استضافتهم لسبع سنوات متتالية، ما أثّر سلباً على اقتصاده وعلى مختلف القطاعات والمهن فيه.
كذلك لفتت الأوساط نفسها الى أنّ لبنان لا يتحدّى أحداً اليوم، بل يقوم بما تقتضيه المصلحة الوطنية ومصلحة الشعب اللبناني، وعلى المفوضية والأمم المتحدة تقدير جهوده وحسن استضافته الإنسانية للنازحين على مدى الأعوام السابقة، خلافاً لدول عدّة رفضت استقبالهم، ومعرفة أنّ لبنان يرفض المؤامرة الدولية التي تُحاك ضدّه.
وأشارت الاوساط الى أنّه من بين الخطوات اللاحقة في حال لم تصوّب المفوضية أداءها، هو التفتيش عن وسائل أخرى لتأمين مساعدة لبنان على تطبيق خطة عودة النازحين. وكشفت عن إمكانية طلب باسيل لقاء الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريس لوضعه في حقيقة وضع لبنان جرّاء بقاء مليوني نازح سوري على أرضه. فضلاً عن اجتماع قريب سوف يجمعه بالمفوض العام لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي في جنيف يطلعه خلاله على هواجس لبنان، ويطرح عليه خطة عمل وطنية مستقبلية لعودة النازحين تتضمّن الخطوات التنفيذية لتأمين هذه العودة بمساعدة المجتمع الدولي.