جيفري غولدبرغ، الكاتب في صحيفة «أتلانتيك»، سبق واستعاد، في أحاديث تلفزيونية، مقتطفات من آراء دونالد ترامب. قال «لو جال سيغمند فرويد لساعات فقط في رأس هذا الرجل لانتهى في مصح عقلي».

البعض رأى فيه الليدي غاغا بصيغة المذكر. الدخول الى أعماقه أشبه ما يكون بالدخول الى الأدغال. المثير أن شعبيته لم تتأثر قيد أنملة.

لا يرى في القارة العجوز العالة الاستراتيجية فحسب. انها العالة الايديولوجية أيضاً. الماركسية ولدت هناك. النازية، الماركسية، الفاشية، انتهاء بالفلسفات العدمية التي طالما استقطبت ملايين المثقفين في العالم.

غولدبرغ لاحظ أن دونالد ترامب يرى في الخليج «مغارة أميركية». لا دور، قطعاً، للدول الأوروبية، في بقاء العروش. الولايات المتحدة وحدها هي التي تضطلع بالمهمة. وعلى الدول اياها أن تنتقي بين الخروج كلياً من تلك الأسواق الثرية، والقبول بحصة من الصفقات تتراوح بين الخمسة والعشرة في المئة.

الرئيس الأميركي لاحظ أن أكثر من ثلثي السياح العرب يقصدون أوروبا. كثيرون يتملكون منازل في لندن أو في باريس، في نيس أو في ماربيا. لايأخذ بالاعتبار القرب الجغرافي بل يرى في ذلك ضربة أوروبية في الظهر.

احدى مشكلاته أنه يرى في المنتجات الأوروبية التي تحتاج الى الابداع (طائرات، بواخر، غواصات، صواريخ...) المنافس الرئيسي للمنتجات الأميركية. لطالما وصف الصينيين بالقردة الصفراء. أما الروس فلا يتقنون حتى صناعة الطناجر.

ثمة من اقنعه بان يلاعب الروس والصينيين. أوروبا تحتضر. باستثناء ألمانيا، اقتصادات متداعية، سياسات ضبابية وغلب عليها المنحى الزبائني، دون التخلي عن «الظاهرة الدونكيشوتية» في البحث عن أدوار جيوبوليتيكية أو جيوستراتيجية في العالم.

لا أحد في واشنطن كان يتوقع أن تصل العلاقات داخل مجموعة السبعة الى هذا المستوى من التردي. أصابع النار لامست كندا. هي الوصيفة الأولى للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي. وحين أرادت الاحتجاج على تلوث 14 ألف بحيرة في مناطق متاخمة للحدود الأميركية، بدا وكأنها استعارت كلماتها من الانجيل.

كلامه المهين عن جاستن ترودو أثار الصدمة في أرجاء كندا. جدار اقتصادي ربما كان أكثر أذية من الجدار الذي يزمع بناءه على حدود المكسيك. وقد نفذ ما تعهد به ابان حملته الانتخابية بالغاء اتفاقية التجارة الحرة (نفتا) بين الدول الثلاث بحجة الاختلال في مستوى التبادل.

ترامب الذي يريد أن يكون أعظم رئيس انتجته أميركا بالرغم من أحزمة الغبار التي تحيط به، جاهز لتقديم بعض الاغراءات الجيوبوليتيكية لروسيا، وبعض الاغراءات التكنولوجية للصين، لا من أجل ارساء معادلة جديدة لادارة الكرة الأرضية وانما لاستيعاب الدب القطبي والتنين الأصفر.

الباحثة الفرنسية هيلين كارير ـ دانكوس كان قد كتبت أن الامبراطورية السوفياتية اما أنها سقطت بساقي مارلين مونرو أو بأطباق الهوت دوغ وبسراويل الجينز.

وكتبت أن الروس والصينيين الذي يتطلعون الى بناء أمبراطوريات تقارع الأمبراطورية الأميركية، يعتبرون أنهم بحاجة الى سنوات من التفاعل الخلاق مع الثقافة الأميركية لـ «الانتقال من التاريخ الى ما بعد التاريخ».

الألمان والفرنسيون والبريطانيون (والكنديون) يعتبرون أن الكرة الأرضية دخلت في حالة من الهذيان. السبب طريقة ادارة دونالد ترامب للعلاقات الدولية.

المسؤولون في الدول الثلاث يرون ان العالم بات بحاجة الى ميثاق تاريخي لضبط الايقاع. يعودون الى اتفاقية وستفاليا (1648)، والى مؤتمر فيينا (1815)، ثم مؤتمر فرساي(1919)، ومؤتمر يالطا (1945)، وصولاً الى مؤتمر هلسنكي (1975).

لا يكفي أن يقول ريجيس دوبريه ان أميركا وضعت حداً لـ«الزمن الالهي» ليحل محله «الزمن البشري». العلاقات الدولية تتصدع على نحو كارثي. الشرق الأوسط يبدو وكأنه نسخة عن جهنم.

دونالد ترامب يكاد يقول «انها الحرب الكونية الثالثة بلغة الأرقام لا بلغة الصواريخ». من يستعيد سياسات القارة العجوز في السنوات الأخيرة، وما قبل الأخيرة، لا بد أن يصل الى هذه النتيجة «القارة التي لا تستحق حتى... الرثاء».