ايمن عبدالله

كلما فُتح باب أمام تشكيل الحكومة اللبنانية أُقفل أبواب أخرى، وكأنه كُتب على لبنان تعداد الأشهر بانتظار ولادة حكوماته مع العلم أن الحكومة المقبلة كانت تعد بالكثير إن كان لناحية تشكيلها بسرعة قياسية أو لناحية تمثيلها الجميع وعمرها الطويل. لم تجر الرياح بما يشتهي سفّان عملية تشكيل الحكومة، ولعل المقبل من الأيام سيحمل المزيد من العقبات الحكومية.

بعد تكليف الرئيس سعد الحريري بيوم واحد برزت على سطح السياسة اللبنانية خلافات شكّلت العقبات الأكبر التي ستؤخر عملية التشكيل، وأولى هذه العقبات كانت التمثيل المسيحي بظل الخلاف الكبير بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، التمثيل الدرزي بظل اصرار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على التمسك بحصة الدروز كاملة وعدم موافقته على ترك مقعد وزاري لرئيس الحزب الديمقراطي طلال ارسلان على غرار ما فعله في الانتخابات النيابية، وثالثا التمثيل السني بظل اصرار فريق 8 آذار على توزير شخصية سنية قريبة منه، وأخيرا تمسك رئيس الجمهورية بحصة وزارية مستقلة عن حصة التيار الوطني الحر.

بعد أن وصلت العقبات المذكورة اعلاه الى الحل بجزء كبير منها، يبدو أن الأمور ستعود الى التعقد مجددا وربما أكثر، بعد 48 ساعة سياسية صعبة مرّت على لبنان، بدأت مع أزمة وزير الخارجية جبران باسيل ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ووصلت الى مرسوم القناصل الفخريين الذي أشعل الخلاف مجددا بين حركة أمل والتيار الوطني الحر.

وهنا تكشف مصادر أن رئيس الحكومة أبلغ باسيل بأن قراره الموجه ضد مفوضية شؤون اللاجئين غير مقبول بكل المقاييس وبأن قرارا كهذا هو من صلاحية مجلس الوزراء وليس من صلاحية وزير، مشيرة الى أن باسيل وعد الحريري بعدم اعتماد التصعيد مع المفوضية، الأمر الذي سمعه الحريري من رئيس الجمهورية أيضا بعد أن «اشتكى» اليه تصرفات باسيل. وتضيف المصادر: «يرى الحريري بأن قرار باسيل سيعرض لبنان للمساءلة دوليا خصوصا وأن حكومته سعت جاهدة لكسب الدعم الدولي لمساعدة اللاجئين، مع العلم أن الحريري قد سمع كلاما مؤخرا بأن دولا كثيرة كانت تدفع أموالا لهيئات دولية داعمة للنازحين السوريين في لبنان ستتوقف عن الدفع لاعتبارات خاصة، الأمر الذي سيسبب المزيد من الضرر للاقتصاد اللبناني».

لم تتوتر علاقة باسيل والحريري بسبب ازمة النازحين وحسب، بل جاء بعد أزمة مرسوم التجنيس «فضيحة» أزمة جديدة عنوانها «مرسوم القناصل الفخريين اذ قام باسيل بتمرير مرسوم تعيين 32 قنصلا فخريا من دون توقيع وزير المال علي حسن خليل، ما أعادنا الى أزمة شبيهة بأزمة مرسوم ضباط دورة 1994. وهنا تؤكد مصادر مقربة من الثنائي الشيعي أن مرسوم القناصل الفخريين لن يمر تماما كما لم يمر مرسوم الضباط، مشيرة الى أن الأزمة ليست فقط بعدم توقيع وزير المال عليه، بل لأنه يشكل تجاوزا لحركة أمل وحزب الله في ما يخص القناصل الشيعة.

وتضيف المصادر: «أن وزير المال وقّع منذ فترة على مرسوم استقالة قناصل فخريين ويجب توقيعه الى تعيين القناصل الفخريين طالما أن طبيعة عمل هؤلاء ترتب تبعات مالية تدخل الى خزينة الدولة عبر المعاملات الرسمية التي يقومون بها»، مشددة على أن تصرف باسيل لم يعد مفهوما اذ كيف يكون مستعجلا لتشكيل الحكومة ويفتعل الأزمات السياسية مع كل الافرقاء السياسيين؟.

بحسب مصادر مطلعة فإن الأزمات الجديدة اعادت طرح الاوراق الحكومية على طاولة البحث وحملت تبدّلات بالمطالب والاقتراحات، اذ أبلغ الحريري المعنيين بأنه يرفض التنازل عن أي مقعد من المقاعد السنية الستة الا بحال تنازل عن مقعد واحد مقابل نيله مقعدا مسيحيا بدلا منه، ما يعني أن الحريري بات يرفض تمثيل أي مكون سني قريب من 8 اذار، وذلك بسبب علمه بأن خسارة أكثر من مقعد سني يعني حصوله على مقاعد وزارية لا تزيد عن خمسة ما يجعله مشاركا غير فعال في حكومة يرأسها. وتقول المصادر: «ليس هذا طلب الحريري الوحيد اذ تشير اوساطه الى أن إصرار التيار الوطني الحر على فصل حصته الوزارية عن حصة رئيس الجمهورية ستجعله يطلب رسميا فصل حصته كرئيس للحكومة عن حصة تيار المستقبل، خصوصا وأنه يرى بأن حصول فريق واحد على ثلث الحكومة سيكون امرا مبالغا فيه لأن هذا الفريق لا يملك ثلث المجلس النيابي بحسب نتائج الانتخابات الأخيرة.

حمل رئيس الحكومة منذ أيام اقتراحا حكوميا يتعلق بتوزيع الوزارات السيادية والخدماتية، وفيه أن يبقى توزيع الوزارات السيادية كما هو اليوم، خصوصا بظل تمسك حركة أمل بالمالية والتيار الوطني الحر بالخارجية، كذلك اقترح أن يتم اعادة توزيع الحقائب الخدماتية الستة، على أن لا يزيد عدد الوزراء عن 26 وزيرا، الا أن الاقتراح سقط وخصوصا بالشق المتعلق بإعادة توزيع الحقائب الخدماتية بظل تمسك الوطني الحر بوزارة الطاقة، الأمر الذي جعل الحريري يصر على وزارة الاتصالات الى جانب الداخلية والبلديات وأعاد البحث الحكومي الى المربع الأول، فكيف ستكون الحال بعد الأزمات الجديدة المتفجرة؟