بعد ولادة الحكومة الأولى في عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ولأنّ مهامها الأولى كانت مواكبة وضع مجلس النوّاب لقانون الإنتخاب الجديد وإقراره ثمّ إنجاز العملية الإنتخابية وانتخاب الشعب لمجلس نيابي جديد يمثّله بشكل صحيح، شاء الرئيس عون أن يُسّمي هذه الحكومة بالإنتقالية، على أن تكون الحكومة الأولى الفعلية للعهد، على ما أراد، تلك التي تجري المفاوضات حالياً لتشكيلها، وجرت بين عون والرئيس المكلّف سعد الحريري خلال الأيام الماضية مناقشة ما سُمي بـ «المسودة الأولى لها» في ما يتعلّق بتقسيم الحصص وتوزيع الحقائب وليس الخوض في الأسماء.

غير أنّ الوصول الى الحكومة الفعلية للعهد، استلزم سنة و7 أشهر وأسبوعين قبل ولادتها حتى الساعة، من عمر هذا العهد الذي يبقى له نحو 4 سنوات وبضعة أشهر. وهذا الأمر يجعل البعض يتخوّف من عدم سماح الوقت للإنطلاقة الفعلية للعهد، على ما يريد عون، وينصح بضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة العتيدة، لعدم هدر المزيد من الأشهر هباء من دون أي إنتاجية جدّية للمؤسسات.

وبعد نتائج الإنتخابات التي أعادت قسماً كبيراً من النوّاب الى مقاعدهم، وابقت على الكتل السياسية نفسها التي تحكم البلاد، فإلى أين يذهب عهد الرئيس عون، وهل سيكون حكم ترويكا عون- برّي- الحريري، أم أنّ لبنان سيشهد حكماً ديموقراطياً يشمل القادة السياسيين أمثال جنبلاط وجعجع وفرنجية وباسيل وميقاتي وبقية القيادات؟!

أوساط ديبلوماسية رجّحت الكفّة الأولى، ليس انطلاقاً من التكهّنات، إنّما من الواقع الذي يشهده الجميع والقاضي بأنّ كلّ قرار يصدر عن الحكومة لا بدّ وأن يكون ممهوراً بالتواقيع الثلاثة. وتقول بأنّ نظام الترويكا القائم على المثالثة بين الرئاسات الثلاث قد جرى تركيبه مع إعادة الحقّ لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بإضافة التوقيع الثالث، مذكّرة بمرسومي الأقدمية وترقية ضبّاط دورة العام 1994، عندما حاول الرئيس عون الإطاحة الفعلية بمفهوم «الترويكا» الذي أرساه «اتفاق الطائف» في العهود السابقة، منذ عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، وقام على التوافق بين الرئاسات الثلاث حتى في ذروة الخلاف بين الرئيس الأسبق إميل لحود ورئيس الحكومة رفيق الحريري آنذاك، وما شعر به الرئيس برّي من خلال المسار الذي انتهجه الرئيس عون خلال السنة الأولى من عهده، في محاولة لتفكيك هذه «الترويكا» ولاقاه الحريري في بعض مراحلها، إلاّ أنّ الأمر لم يحصل. ولهذا يبدو واضحاً أنّ أيا من الرئاسات لا يمكنها اتخاذ أي قرار بمفردها، أو اتخاذ رئاستين لقرار ما بمعزل عن «الترويكا» كونه لا يُمكن أن يمرّ من دون موافقتها عليه معاً.

وبحسب بعض العارفين، فإنّ الرئيس برّي لم يكن مرتاحاً للتسوية السياسية التي أوصلت عون الى القصر الجمهوري، وأعادت الحريري الى السراي الحكومي، وخشي من تأسيس ثنائية مارونية- سنيّة، تبقيه خارجها، لا سيما بعد أن جرى توقيع إتفاقات أبرمت بين الحريري ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل تتعلّق بملفات الكهرباء والنفط والغاز... لهذا تمسّك بموقفه في ما يتعلّق بتوقيع وزير المالية علي حسن خليل، المحسوب عليه، على مرسوم الضبّاط، للقول بأنّه مصرّ على مشاركة الطائفة الشيعية كمكوّن رئيسي في الحكم الذي أرساه «الطائف» كونه نظاماً توافقياً مثلث الأركان الطائفية، ثمّ فرض نفسه مجدّداً بعد الإنتخابات النيابية فعاد رئيساً لمجلس النوّاب بتأييد من «لبنان القوي» رغم كلّ التشنّج الذي حصل بينه وبين الوزير باسيل قبلها.

أمّا القيادات السياسية الأخرى فيسعى كلّ منها للقيام بدور بارز في المرحلة المقبلة، مثل رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط الذي يتمسّك بالحصّة الثلاثية الدرزية، وزار المملكة العربية السعودية أخيراً بهدف أن تضغط على الحريري لإعطائه ما يريد واستبعاد رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال إرسلان عن الحكومة. كذلك فإنّ كلا من رئيس «التيّار الوطني الحرّ» الوزير جبران باسيل، ورئيس حزب «القوّات اللبنانية» سمير جعجع، ورئيس «تيّار المردة» سليمان فرنجية، سيسعى خلال السنوات المتبقية من العهد، بناء وترميم العلاقات الداخلية والخارجية، سيما وأنّ كلا منهم يرى نفسه الخلف المناسب لرئيس الجمهورية الحالي، ويُعبّد الطريق منذ الآن للوصول الى قصر بعبدا.

فيما القيادات السنيّة الأخرى  فستعمل ضمن مناطقها على ملفات الإنماء المتوازن بهدف أن تصل الى رئاسة الحكومة في العهود المقبلة. وانطلاقاً من حسابات السياسيين الضيّقة التي لها علاقة بطموحاتهم المستقبلية، ترى الأوساط نفسها، أنّ عمل الحكومة المنتظرة سيكون محكوماً بحسابات القيادات، وليس بالمصلحة العليا للبلاد، أو بمصالح الشعب الذي يعاني من الضائقة المالية والإقتصادية التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة.

وفي رأي الاوساط، فإنّ غياب المعارضة النيابية داخل المجلس النيابي من شأنه أيضاً تقويض صلاحياته سيما أنّه موجود بأكمله داخل الحكومة مع اعتماد نظرية تمثيل كلّ 4 نوّاب بوزير في الحكومة. وهذا الأمر لا يُصلح النظام الحالي الذي يحتاج الى «ترميم» جذري، إنّما يجعل التوافق على ملف ما محكوما بتقاسم الحصص بين جميع المكوّنات السياسية.

كذلك فإنّ تمسّك بعض الكتل من خلال تحالفاتها بالثلث الضامن في مجلس النوّاب، يضرب القاعدة الديموقراطية القائمة على إشراك الشعب في ممارسة السلطة، على ما يذكر الدستور اللبناني بأنّ «الشعب هو مصدر السلطات». فالديموقراطية، كما عرّفها أبراهام لنكولن هي «حكم الشعب، من قبل الشعب، ومن أجل الشعب»، أي أنّها نظام حكم يتميّز بمشاركة المواطنين في إدارة شؤون البلاد، في الوقت الذي لا نرى فيه أنّ النظام السياسي الحالي في لبنان (وفي دول أخرى في العالم) يُطبّق الديموقراطية في شكلها الصحيح.

ومن هنا، فإنّ الحكومة الديموقراطية هي الحكومة التي تكون فيها السيادة لجميع أفراد الشعب، وليست حِكراً على فرد كما في الحكم الفردي، أو على فئة من الشعب، كما في حكم الأقلية، لهذا تنصح الأوساط بتشكيل حكومة ديموقراطية في لبنان تقوم على مبدأ الشراكة وليس تقاسم الحصص. وأشارت الى أنّ تغييب المعارضة عن مجلسي الوزراء والنوّاب، ليس أمراً جيّداً بل على العكس، إذ من شأنه أن يفتح المجال واسعاً أمام الفساد، في الوقت الذي يريد فيه بعض القادة إنشاء حقيبة وزارية لمكافحة الفساد المستشري في البلاد على مختلف الصعد.