من بين سلسلة العراقيل التي تُواجه تشكيل الحُكومة المُقبلة، يتمّ التركيز على مسألة تمسّك حزب «القوات اللبنانيّة» بحصّة وزاريّة مُوازية من حيث الحجم والثقل السياسي لحصّة «التيّار الوطني الحُرّ»، في مُقابل رفض هذا الأخير لهذا الأمر، وتشديده على أنّ كتلة «التيّار» تبلغ ضعف عدد كتلة «القوّات»، وعلى أنّ حصّة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مُنفصلة عن حصّة «التيّار». وفي السياق عينه، يكثر الحديث عن مساع تُبذل لإحراج «القوّات» عبر منحها حصّة وزاريّة محدودة، كمّا ونوعًا، بهدف دفعها إلى صُفوف المُعارضة من خارج السُلطة السياسيّة، لتكُرّر «السيناريو» الذي سبق وأن مارسه حزب «الكتائب اللبنانيّة» خلال فترة حُكم الحكومة الأخيرة التي دخلت مرحلة تصريف الأعمال بعد الإنتخابات النيابيّة. فهل هذا الأمر مُحتمل؟

على الرغم من تلميح بعض النوّاب الجُدد في تكتّل «الجمهورية القويّة» إلى أنّ الأمر وارد، وإلى قيام آخرين من التكتّل «القوّاتي» نفسه بنصح السُلطة بألا تدفع «القوات» إلى صُفوف المُعارضة، أكّدت أوساط سياسيّة مُقرّبة من «القوّات»، أن هذه الأخيرة مُتمسّكة حتى النهاية بالتمثّل في السُلطة، وهي لن تخرج من الحُكومة مهما حاولت بعض الأطراف إحراجها تمهيدًا لإخراجها. ولفتت إلى أنّ تجربة الحُكم الأخيرة أثبتت أنّ مُراقبة سير الحُكم من داخل السُلطة، وتحديدًا من داخل السُلطة التنفيذيّة، هي أكثر فعاليّة بكثير من لعب دور المُعارضة التقليديّة من خارج الحُكومة، حتى في ظلّ الإستفادة من غطاء نيابي واسع. وأضافت هذه الأوساط أنّ مُعارضة «القوات» من على طاولة مجلس الوزراء، لم تكن يومًا للحُكم وللسُلطة ككل، إنّما لمشاريع بعض الوزراء التي لم تسلك الطرق القانونيّة والدُستورية، ولبعض الصفقات المشبوهة التي حاولت بعض الجهات السياسيّة تمريرها من خلال إتفاقات ثُنائيّة تحت الطاولة، واعدة بتكرار الدور الرَقابي نفسه في الحُكومة التي سيتم تشكيلها.

وأكّدت الأوساط السياسيّة المُقرّبة من «القوات» أنّ هذه الأخيرة مُصرّة على المُشاركة في الحُكومة المُقبلة، وهي ترفض كليًا مُحاولات إخراجها من السُلطة التنفيذيّة، إن عبر إغراءات من هنا أو عبر مُحاولة تحجيم وإلغاء من هناك. وعزت هذه الأوساط تمسّك «القوّات» بالمُشاركة في الحُكومة إلى أكثر من سبب، أبرزها الحفاظ على التوازنات السياسيّة الداخليّة التي لا يُمكن أن تستقيم في حال إبعاد قوى مثل «القوات» أو «الحزب الإشتراكي» في مُقابل مُشاركة فريق قوى «8 آذار» إضافة إلى «التيّار الوطني الحُرّ» بكل فعاليّة، حيث أنّ وُجود «المُستقبل» في الحُكومة سيُصبح عندها ضعيفًا وفاقدًا للقُدرة على التأثير، حتى لو كانت رئاسة الحُكومة بيده! وأضافت أنّ «القوّات» مُنِحَت ثقة شعبيّة واسعة من جانب عشرات آلاف المُواطنين الذين صَوّتوا لصالح مُرشّحيها في الإنتخابات النيابيّة، ومن واجبها أن تُمثّلهم في الحُكم بأفضل صُورة مُمكنة، والعمل من داخل السُلطة على دعم المشاريع التي وُعدوا بها، وعدم الإكتفاء بدور المُعارضة العاجزة إلا عن العرقلة من خارج الحُكومة.

وكشفت الأوساط السياسيّة المُقرّبة من «القوات» أنّ هذه الأخيرة بدأت بتلقّي العروض للمُوافقة على المُشاركة في الحُكومة، تارة بشكل مباشر وطورًا بشكل غير مباشر، مُشيرة إلى أنّ بعض هذه العروض يستحقّ النقاش وبعضها الآخر يحمل أكثر من علامة إستفهام. وشدّدت على أنّ «القوات» لن تتعامل مع حصّتها من منظار مصلحة شخصيّة أو منفعة ذاتية على الإطلاق، وتجربتها السابقة هي خير دليل على ذلك، مُذكّرة بأنّ وزارة العدل كانت بيد «القوات» في خضمّ الدعوات القضائية بشأن ملكيّة المؤسّسة اللبنانية للإرسال، وهي لم تتصرّف في حينه إلا بأعلى درجات المهنيّة والموضوعيّة والحياديّة، ما يستوجب عدم إستخدام وزارة العدل أو سواها حاليًا كورقة إغراء! وأضافت الأوساط أنّ «القوّات» مُتمسّكة بأن تحصل على حصّة وزارية، تناسب حجم تمثيلها الشعبي الذي تظهّر في الإنتخابات النيابية، ويناسب أيضًا حجم حُضورها وثقلها السياسي على الساحة الداخليّة، من دون أن تتمسّك بأي حقيبة مُحدّدة. وتابعت أنّ «القوّات» تستغرب إبعادها المُسبق والتلقائي عن الحقائب المُصنّفة «سياديّة» وكأنّ هذه الأخيرة حكر على فئة معيّنة دون غيرها أو على حزب دون سواه، وتستغرب المُحاولات الرامية إلى منعها من الحُصول على حقائب خدماتية أيضًا، ومُحاولات إقفال الطريق مُسبقًا على نيلها منصب نائب رئيس الحُكومة. ونبّهت الأوساط عينها من مُحاولات بعض الجهات السياسيّة تصوير تمثيل «القوات» بشكل وازن، وكأنّه يعني عمليًا إخراج قوى مُحدّدة، مثل حزب «الكتائب» وغيره من الحُكومة، لأنّ في هذا الأمر تجنّ متعمّد على «القوات» وتحريف للوقائع.

وختمت الأوساط السياسيّة المُقرّبة من «القوات» بالقول إنّ الدُكتور سمير جعجع واثق من أنّ المعنيّين الحقيقيّين في عمليّة التشكيل، وفي طليعتهم رئيس الحُكومة المُكلّف سعد الحريري، سيعملون على تمثيل «القوات» بالشكل الصحيح والعادل والمنصف لها ولمُختلف القوى الأخرى، حفاظًا على التوازنات السياسيّة والطائفيّة الدقيقة، بعكس ما تتمنّاه بعض القُوى التي يُفترض أن لا يكون لها أي علاقة في عمليّة التأليف والتي توزّع الحصص والمناصب وتُقسم القوى بين موالية مُعارضة، من على المنابر الإعلاميّة!