الخلافات بين المسؤولين اللبنانيين والتباين في الرأي بشأن العديد من المواضيع والصلاحيّات ليست بجديدة على لبنان، إلى درجة أنّها باتت خبز اللبنانيّين اليومي في كثير من الحالات، لكنّ المُفارقة في الخلافات المُستجدّة على كل من مرسوم القناصل الفخريّين وملفّ النازحين أنّهما أدخلا دول العالم طرفًا في تباينات وصراعات المسؤولين اللبنانيّين، بحيث صار غسيل لبنان «الوسخ» - إذا جاز التعبير، مَنشورًا على الساحة الدَوليّة، والتجاذبات الداخليّة محط أخذ وردّ بإرتدادات وصلت إلى دول العالم أجمع!

وفي هذا السياق، لفتت أوساط سياسيّة إلى أنّ ما يحصل حاليًا في لبنان، بسبب مرسوم القناصل الفخريّين وملفّ النازحين، يجب أن يتوقّف سريعًا لأنّه ليس عبارة عن عمليّة «شد حبال» داخليّة ستنتهي يومًا ما بتسوية داخليّة «على الطريقة اللبنانيّة»  كما يظنّ البعض، بل هو فضيحة تُهدّد مصداقية لبنان أمام المحافل الدَوليّة، وتُفقده أي ثقة من جانب المُجتمع الدَولي.

وقالت إنّه بالنسبة إلى مرسوم تعيين ما مجموعه 32 قنصلا فخريا، والذي وقّع عليه كل من رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري ووزير الخارجية والمُغتربين في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، فإنّه يُكرّر «سيناريو» مرسوم الأقدميّة الخاص بُضباط دورة العام 1994، لجهة تغييب توقيع وزير المال علي حسن خليل، والدُخول في صراع صلاحيّات بين باسيل وخليل، وإعادة فتح مواضيع خلافيّة بشأن الميثاقيّة ودور الطائفة الشيعيّة ضُمن التركيبة اللبنانيّة الطائفيّة الهشّة. ولفتت الأوساط السياسيّة إلى أنّ هذا المرسوم تسبّب بخلاف كبير بين «التيار الوطني الحُرّ» و«حركة أمل» من المُرشّح أن يتصاعد في العلن خلال الساعات والأيّام القليلة المُقبلة، بسبب إعتراض الوزير خليل على تغييب توقيعه على مرسوم يحتاج لهذا الأمر كونه يُرتّب أعباء مالية كبيرة وليس عادية فقط، وكون المرسوم المشكو منه تضمّن أيضًا أسماء شيعيّة من دون التنسيق مع «الثنائي الشيعي» في تجاوز لأعراف لبنانيّة ثابتة تُعتمد في حالات مُشابهة، إضافة إلى أنّ توقيت إصدار هذا المرسوم ككل يأتي في توقيت مُريب في ظلّ المحادثات الحسّاسة لتشكيل الحُكومة المُقبلة، وفي ظلّ عدم تمتّع حكومة تصريف الأعمال الحالية سوى بصلاحيّات ضيّقة ومرتبطة بأمور ملحّة حصرًا. وتخوّفت هذه الأوساط السياسيّة من أن يُضطر الوزير الخليل إلى توجيه رسائل إلى السُلطات المعنيّة في دول الإغتراب يحثّ فيها على ضرورة عدم الموافقة على إعتماد مجموعة القناصل الجُدد، بسبب عدم قانونيّة الخطوة وغياب التوافق اللبناني عليها، ما سيُعرّض مصداقيّة لبنان لضربة كبرى إزاء دول العالم، وسيتسبّب بإحراج كبير للبنان!

وأشارت الأوساط السياسيّة نفسها إلى أنّه بالنسبة إلى ملف النازحين، وقرار وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال تصعيد الموُاجهة ضُدّ المفوّضية العليا لشؤون اللاجئين، فقد أسفر عن توتير العلاقات بين «التيّار الوطني الحُرّ» و«تيّار المُستقبل». وأضافت أنّه في الوقت الذي عمّمت مصادر  قريبة من الوزير باسيل أنّ قرار تجميد طلبات الإقامة المُقدّمة من جانب موظّفي مفوّضة اللاجئين ساري المفعول، شدّدت مصادر قريبة من رئيس حكومة تصريف الأعمال على أنّ الحريري كان حازمًا خلال إجتماعه الأخير مع باسيل بأنّ القرارات الكُبرى في هذا الملف الدَولي الحسّاس تعود له وحده، وأنّه طالبه بالرجوع عن القرار الأخير الذي أساء إلى علاقات لبنان الدَوليّة، تاركًا له حرّية إيجاد المخرج المناسب لذلك. وعُلم أنّ الحريري طالب بضرورة عدم إتخاذ باسيل أي قرار آخر في هذا الملف  كما كان لوّح سابقًا، كون هذا الأمر يُمثل تجاوزًا للصلاحيات المُعطاة لأي وزير في حكومة تصريف الأعمال الحاليّة، خاصة وأنّ موضوع تجديد إقامات موظّفي المفوّضية الأوروبيّة لا يخصّ وزارة الخارجية وحدها، بل الحكومة مُجتمعة، لأنه يُمثل سياسة إستراتيجية كاملة تعني لبنان. ونبّهت الأوساط السياسيّة إلى أنّ خطوة الوزير باسيل في شأن المفوّضيّة المذكورة شكّلت ليس فقط تجاوزًا لصلاحيات رئيس الحكومة، إنّما تجاوزًا لدور المديرية العامة للأمن العام التي يؤول إليها تنظيم الوجود القانوني للبعثات الدوليّة والدبلوماسيّة في لبنان. وتخوّفت من أن تؤدّي هذه الخطوة إلى توتير علاقات لبنان على الساحة الدولية، وإلى تعريض المساعدات المالية المُفترضة للخطر.

وختمت الأوساط السياسيّة كلامها بالقول إنّ من شأن الخلافات المُتجدّدة بين «التيّار الوطني الحُرّ» و«حركة أمل» والخلافات المُستجدّة بين «الوطني الحُرّ» و«المُستقبل» أن تنعكس سلبًا على جُهود تشكيل الحكومة على المُستوى الداخلي، وأن تنعكس سلبًا على مصداقية لبنان وعلى المُساعدات الدوليّة المُخصّصة له على المُستوى الخارجي.