في حال تمكن المعنيون بتشكيل الحكومة بدءا من الرئيس المكلف سعد الحريري من انجاز الطبخة الحكومية في فترة معقولة. وهو ما تسعى اليه المراجع السياسية فالسؤال الذي سيطرح نفسه مع انطلاق عمل الحكومة العتيدة يتمحور حول قدرة القوى السياسية التي ستشارك في هذه الحكومة، على السعي لتحقيق ما وعدت به لمواجهة الازمات الكبرى التي تعصف بالوضع الداخلي. خصوصاً انه لم يعد ممكناً اضاعة الوقت بما يتعلق بمخاطر الوضعين المالي والاقتصادي ومعاناة المواطن، التي بلغت حافة الهاوية.

والواضح حتى الان، وفق مصدر سياسي من خارج عملية «التناتش» القائمة على توزيع الحصص والحقائب في الحكومة المنتظرة، من ما تراه وتسمعه من بازار سياسي من جانب اكثرية القوى التي تطمح للدخول في «جبنة» الحكومة لا يبشر بوجود جدية من جانب هذه القوى لاطلاق معالجات فاعلة وشفافة للملفات الداهمة، وحتى لو كان البعض لديه رغبة بذلك، فالصراع الدائر اليوم على «جبنة» الحقائب الحكومية لا تؤشر الى ان سعي الحكومة بعد نيلها ثقة مجلس النواب لمعالجة ما تواجهه البلاد من مخاطر وازمات سيسير في الاتجاه المطلوب، او على الاقل «كباش» حاد بين كثير من القوى المشاركة في الحكومة.

ورغم ذلك، ان اي توجه من الحكومة العتيدة، اذا كان يراد منه فعلاً، وضع الملفات الاقتصادية والمالية على سكة المعالجة الحقيقية، تتطلب من القوى السياسية المعنية وضع اليات واضحة ومحددة لهذه المعالجة وليس الاكتفاء بمعالجات شكلية هنا او التعاطي مع كل المخاطر والازمات على اساس «القطعة». وهو ما يعترض وضع آليات وتوجهات منصلة وعملية للحد من تراكم المديونية العامة، ومعها خدمة الدين العام، بالتوازي خطط واضحة لانعاش الاقتصاد وتنمية الارياف، خاصة المناطق المحرومة، والحد من البطالة وقضايا المواطن اليومية على مستوى الخدمات المختلفة، وكل ذلك يفترض الاتي:

1- ان يصار الى اعادة النظر بطبيعة عمل القطاع العام، بدءا من وقف التوظيف العشوائي لغايات حزبية او فئوية، الى وضع حد لتعاطي كثير من القوى السياسية على اعتبار ان هذه الادارة او تلك هي «مزرعة» تخص هذا الحزب او ذاك الفريق، وصولاً الى مكافحة عصابات التهريب والتهرب الضريبي والقيمون على اعمال السمسرة في معظم ادارة الدولة، خاصة التي تعتمد عليها خزينة الدولة، من المرافق البحرية والجوية والبرية، الى الدوائر العقارية والمالية، وما يحصل في عشرات المؤسسات العامة والوزارات من فقدان للشفافية، وفي مقدمها قضية التلزيمات.

2- ضرورة مواجهة ما يحصل من تهرب ضريبي في القطاع الخاص، وفي الاساس منها الشركات الكبرى واصحاب الاستثمارات والرساميل العالية، من «السوليدير» الى المخالفات البحرية وغير ذلك الكثير ومنها مثلاً قطاع الاستشفاء والمدارس الخاصة.

3- اقرار البعض من المعترضين على فتح حوار مع سوريا، بان لا سبيل امام عودة النازحين السوريين الى بلدهم، سوى من خلال هذا الحوار بعد ان اعترف الجميع بان النجاح الفعلي لخطة الانقاذ المالي والاقتصادي، مدخلها الوحيد هو بالوصول الى خطة واضحة مع الحكومة السورية تؤمن عودة تدريجية وكريمة للنازحين، في استنكاف المجتمع الدولي، بدءا من الامم المتحدة ليس فقط عن العمل لعودة النازحين، بل لاستنكاف عن تقديم الحد الادنى من المساعدات للبنان لتحمل اعباء النازحين، التي تصل سنوياً الى حدود ثلاثة مليارات دولار، الى جانب التكاليف الاخرى على مستوى البنى التحتية ومزاحمة اليد العاملة اللبنانية.

ويقول المصدر ان استمرار البعض في المكابرة ورفض الحوار مع دمشق، من الرئيس سعد الحريري، الى «القوات اللبنانية» واخرين، ستقضي حكماً الى فشل اي توجه جدي لمعالجة للملفين المالي والاقتصادي وتوابعهما، وبالتالي فالرهان على ما اقر في مؤتمر «سيدر» من استعداد غربي لاعطاء لبنان قروض تصل الى 18 مليار دولار او الرهان على المجتمع الدولي لاعادة النازحين، هي في احسن الاحوال علاجات مؤقتة، كمن يعالج مرض خطير بالمسكنات لا يلبث ان ينهار دفعة واحدة، حتى لو جرى الالتزام بتقديم هذه «المسكنات» واعتمدت الشفافية في آليات تنفيذها.