مرّ أسبوعان على تكليف رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة ولم يتمّ التداول بعد بمسودة فعلية لشكلها أو للأسماء التي ستتولّى الحقائب فيها. ورغم التأخير الذي فرضته السعودية على الحريري من خلال عدم تجاوبها معه خلال زيارته لها لتسريع عملية التأليف، فإنّ المهلة لا تزال في أوّلها. وتُؤكّد مصادر سياسية عليمة أنّ التأخير في تشكيل الحكومة العتيدة لن يطول أكثر من أسابيع لما فيه مصلحة الشعب والبلد والعهد والحكومة العتيدة ومجلس النوّاب المنتخب حديثاً، سيما وأنّ تردّي الوضع الإقتصادي لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل.

فالحكومة يجب أن تنصرف بالدرجة الأولى الى حلّ المشاكل الإقتصادية والإجتماعية والتربوية التي يعانيها اللبنانيون جرّاء سياسة الهدر والفساد والمحسوبيات بحسب المصادر، والتي لا يُمكن الإستمرار بها، فضلاً عن تفاقم الأعباء التي يتكبّدها جرّاء النزوح السوري، غير أنّ هذا الأمر الملحّ لا تأخذ به السعودية التي تشدّد على ضرورة تمثيل حزب «القوّات اللبنانية» بعدد كافٍ من الحقائب الوازنة في الحكومة العتيدة. كما أنّ مغادرة الرئيس المكلّف البلاد بعد تكليفه الى السعودية للوقوف عند موقفها، أمر يحدث ربما للمرّة الأولى في تاريخ لبنان السياسي، علماً أنّه عاد منها بخفيّ حنين.

وإذ طالبت المصادر بعض القوى السياسية بتشكيل حكومة وحدة وطنية، ترى أوساط ديبلوماسية مواكبة، أنّه لا بدّ من إعادة النظر بكيفية التأليف، سيما وأنّ هذا النوع من الحكومات كانت تتمّ المطالبة به في العهود السابقة إمّا لضبط الإيقاع أو بسبب التشوّه الحاصل في تمثيل المكوّنات السياسية كافة، وفي أحيان أخرى لمنع الإقتتال السنّي- الشيعي، وأي من هذه الأمور لا ينطبق على المرحلة الحالية. فالوضع الأمني في البلد مستقرّ، وكذلك الوضع على الحدود من الشمال الى الجنوب، والإنتخابات النيابية الأخيرة أنتجت تمثيلاً فعلياً لجميع المكّونات، وأفرزت أوزانها وأحجامها.

لهذا يجب التفكير بكيفية تأليف جديد للحكومة، وإيجاد معيار جديد، على ما أضافت الاوساط، فإذا اصطدمت طلبات «القوّات اللبنانية» أو أي حزب آخر بواقع عدم تنفيذها، فالأمر الطبيعي أن تكون في المعارضة. في الوقت نفسه ليس بالضرورة إعطاء كلّ ثلاثة أو أربعة نوّاب وزيراً في الحكومة العتيدة، على ما يجري البحث، أي نقل كلّ المجلس النيابي الى الحكومة، بل تشكيل حكومة تأخذ الأكثرية النيابية العادية، وإلاّ فإنّ دور المجلس في قيام الحكومات وإسقاطها يتعطّل، ولا يعود هناك أي مجال للقيام بالإصلاحات السياسية. ما يعني أنّ وجود موالاة ومعارضة يُحفّز أكثر على العمل التشريعي والتنفيذي ولا يُعرقله، على ما يعتقد البعض. كما أنّه يمنع التدخّلات الخارجية والأجنبية من التحكّم بالقوى السياسية الداخلية.

ولأنّ الرئيس الحريري حريص على استقرار البلد، على ما أضافت الاوساط، فلن يبقى أشهراً لتشكيل الحكومة بل ستُبصر الحكومة العتيدة النور خلال أسابيع. وصحيح بأنّه ليس من طبخة حكومية موضوعة على النار حالياً ولا حتى ستوضع في الأسبوع المقبل كون الحريري سوف يُغادر الى روسيا لحضور افتتاح حفل كرة القدم الخميس المقبل تلبية لدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويلي ذلك أيام العطلة بعيد الفطر السعيد، إلاّ أنّ الأوساط تبدي تفاؤلها بأنّه فور انتهاء عطلة العيد سوف ينكب على تقسيم الحصص الوزارية على الكتل، فيما مسألة إسقاط الأسماء عليها تُصبح مسألة سهلة جدّاً، لتبصر الحكومة النور ما بعد عيد الفطر.

وبرأي الاوساط، أنّه لو كان يبدو للجميع أنّ المفاوضات بشأن التشكيل متوقّفة في الوقت الحالي، أو أنّ مرسوم التجنيس قد طغى عليها خلال الأيام الأخيرة، إلاّ أنّ التوافق على الحقائب السيادية قد انتهى الى إبقائها في أيادي القوى السياسية نفسها. فوزارة الداخلية والبلديات ستبقى مع «تيّار المستقبل» وقد يتمّ تسليمها للنائب السابق مصطفى علّوش، وتبقى وزارة المالية مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وقد يُبقيها مع الوزير علي حسن خليل أو يختار احد سواه، فيما ينوي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إسناد وزارة الخارجية والمغتربين لابنته ميراي عون الهاشم، ووزارة الدفاع من ضمن حصّته على أن تضمّ ماروني وسنّي وشيعي. فثمّة رغبة لدى الرئيس باختيار سنّي من ضمن حصّته، مقابل إعطاء الحريري وزير مسيحي، وهذا ما وافق عليها الرجلان، لكن لم يصبح مسلّماً به حتى الآن.

وأكّدت الاوساط، أنّ الأمر بات محسوماً أيضاً فيما يتعلّق بحصّة رئيس الجمهورية المعتمدة في تشكيل الحكومات منذ اتفاق الطائف في العام 1989، كما أنّ اتفاق الدوحة في العام 2008، قد أعطاه هذه الحصّة ونالها عندها الرئيس ميشال سليمان. ولأنّه لم يصدر ما ينقض هذا الإتفاق منذ تاريخه وحتى يومنا هذا، فقد سمّى الرئيس عون 3 وزراء من حصّته في الحكومة الأولى من عهده، والتي هي حالياً تقوم بتصريف الأعمال. أمّا الرئيس الحريري فحسمها بدوره، بالنسبة لتشكيل الحكومة العتيدة كونه ملتزم بمقرّرات اتفاق الدوحة، وعندما يُنقض يتمّ تغيير ما جرى التوافق عليه وقتذاك. 

وتتمحور التعقيدات حول تشكيل الحكومة، على ما أفادت الاوساط، حول توزيع الحصص بالدرجة الأولى، ومطالب بعض القوى السياسية العالية السقف أو غير المنطقية، وهي ليست سياسية بقدر ما هي تنازع على عدد الحقائب قبل نوعها. فيما يميل الرئيس الحريري الى عدم جعلها حكومة فضفاضة أو حكومة مصغّرة، بل المحافظة على الحصص الحالية بما أنّها ستكون حكومة ثلاثينية أيضاً، إلاّ في حال أراد إرضاء الجميع في الربع ساعة الأخير بزيادة عدد الحقائب.

وما بات معروفاً، على ما لفتت الاوساط، أنّ الحكومة العتيدة ستتبع النهج نفسه للحكومة الحالية فيما يتعلّق بالبيان الوزاري، ولا سيما ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة. وسيعمل الرئيس الحريري قدر المستطاع من أجل تمثيل حكومي يعكس التمثيل في المجلس النيابي لما يُمكن أن يُحدثه ذلك من توازن في اتخاذ القرارات الوطنية، إلاّ إذا لم يتمّ التجاوب معه من جميع المكوّنات. وبطبيعة الحال، فإنّ الرئيسين عون والحريري لن يؤخّرا تشكيل الحكومة، مهما كانت التعقيدات والمطالب، سيما وأنّ لبنان مرتبط مع المجتمع الدولي من خلال المؤتمرات الدولية الثلاثة التي عُقدت من أجل دعمه، وهما لن يخذلانه لأي سبب كان.