تمكّنت الديبلوماسية اللبنانية في مؤتمر بروكسل الذي حمل عنوان «حماية ضحايا أعمال العنف الإثنية والدينية في الشرق الأوسط»، من تحصيل أو استعادة بعض ما كاد يفقده لبنان في العاصمة البلجيكية نفسها خلال مؤتمر «بروكسل 2» تحت عنوان «دعم مستقبل سوريا والمنطقة» الذي عُقد في 24 و25 نيسان المنصرم بهدف حشد الدعم الدولي لعملية السلام في سوريا، ومساعدة النازحين السوريين في الدول المضيفة ولا سيما منها لبنان، وذلك برعاية الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي... 

وإذ نصّ البيان الختامي لمؤتمر «بروكسل 2» يومذاك، على ما ذكّرت أوساط ديبلوماسية مواكبة، على «العودة الطوعية للنازحين السوريين للوطن بأمان وكرامة»، وأعطاهم خيار البقاء في لبنان وفرض عليه بالتالي، بطريقة أو بأخرى، تحسين أوضاع إقامتهم القانوني (ولهذا استُنبطت المادة 49 في قانون الموازنة العامّة)، وتقديم الدعم للصحة والتعليم والتنمية الإقتصادية، وإيجاد فرص العمل لهم، فضلاً عن «الإقرار بدور إعادة التوطين كأداة حماية أساسية لهم»، ما يعني «توطينهم بشكل مبطّن».

وتشرح الاوساط، بأنّ الوفد اللبناني تمّكن أولاً في حضور ومشاركة 67 دولة ومنظمة، من إثبات موقف لبنان الرافض لما نصّ عليه بيان «بروكسل 2» لجهة «العودة الطوعية للنازحين» (ما يعني بقاءهم في لبنان الى متى يحلو لهم) وتقديم الدعم لهم على الصعيد الصحي والتعليمي والإقتصادي وإدماجهم في أسواق العمل، ، واستبدالها بعبارة «تعزيز العودة الآمنة والكريمة والمستدامة» للنازحين السوريين، الى جانب «تعزيز القدرة الإقتصادية للعائدين» (الأمر الذي يُشجّع الكثيرين على العودة).

كذلك نصّ البيان الأول على أنّ «الظروف الراهنة لا تُساعد على العودة الطوعية... وأنّه لا تزال هناك مخاطر. فظروف العودة كما تحدّدها «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، ووفقاً لمعايير قانون اللاجئين الدولية لم تتحقّق بعد.. فيما أكّد البيان الأخير على أنّه جرى التوافق على أنّ عودة النازحين هي أولوية. كما تمّ الإعتراف بأنّ الوضع في سوريا يتطوّر نحو الأفضل، ما يعني أنّ المخاطر قد زالت في ظلّ الهدوء والإستقرار اللذين تشهدهما محافظات سورية عدّة، تفوق مساحة الواحدة منها مساحة لبنان بثلاث أو أربع مرّات.

هذه التطوّرات في الموقف الدولي، تجدها الأوساط نفسها، تصبّ لصالح لبنان، لكنه يحتاج الى توافق داخلي حوله، لا سيما بعد تشكيل الحكومة الجديدة واتخاذ القرار السياسي بضرورة وضع آلية عملية للعودة وفق جدول زمني معيّن، وبدء تطبيقها تدريجاً وعلى مراحل لكي تشمل النازحين السوريين كافة، المقيمين على الأراضي اللبنانية منذ سنوات.

وأكّدت الاوساط، على أنّ إبطال المجلس الدستوري للمادة 49 من قانون الموازنة العامة، قد وضع حدّاً لموضوع إعطاء النازحين السوريين إقامة دائمة أو مؤقتة في لبنان، كما قطع دابر مطالبتهم بعد سنوات بالحصول على الجنسية اللبنانية، وبالتالي قطع الطريق أمام أحلام «التوطين» من قبل الدول الأوروبية والغربية، إن للاجئين الفلسطينيين أو للنازحين السوريين في لبنان، وتقاسمهم البلاد مع أبنائه الأصليين.

في الإطار نفسه، كشفت المعلومات عن أنّ ما كانت تسعى اليه بعض الدول الأوروبية لإزاحة عبء اللاجئين السوريين عنها، وعلى رأسها ألمانيا، من خلال إبقاء النازحين السوريين الذين يبلغ عددهم نحو مليون و800 ألف نازح فيه، فضلاً عن عدد لا بأس به من المليون نازح الذين تستضيفهم ألمانيا، قد أصبح من الماضي. وفي التفاصيل، فإنّ المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وفي مقابلة لمجلة «السياسة الخارجية» باللغة الألمانية، قد أعربت عن ندمها لاستقبال السوريين على أرضيها كونهم يُكلّفون الحكومة الألمانية مليار أورو سنوياً، على ما ذكرت، ولا بوادر لإمكانية تعلّمهم اللغة الألمانية أو الإندماج في المجتمع الألماني.

وانطلاقاً من ذلك، ضغطت ميركل على لبنان لتأمين إقامة السوريين على أرضه بطريقة ما، على أن تُقدّم المساعدة له لاحقاً، فأتت المادة 49 في الموازنة العامة لتقترح إعطاء الإقامة الدائمة لكلّ من يتملّك مسكناً في لبنان. كما قدّمت عرضاً لزعماء الجالية السورية في ألمانيا بأن تقوم بلادها بشراء 200 وحدة سكنية للسوريين في لبنان، ما يعني إمكانية إسكان (أو توطين بالمفهوم اللبناني الشعبي) مليون سوري فيه، وتقدّم بالتالي 30 ألف أورو لكلّ عائلة سورية، على أن تعود هذه العائلات من ألمانيا الى لبنان مزوّدة بإقامات سكن وإمكانية ولوج جميع قطاعات العمل بموجب قانون الإقامة الدائمة (ولكن ذلك قبل أن يقوم المجلس الدستوري بإبطال المادة المرتبطة بها)، وبالتالي الإستيلاء على المهن الحرّة في البلد.

هذا المخطط أو سواه الذي تستنبطه الدول الأوروبية والغربية بشكل يومي للتخلّص من اللاجئين السوريين وتوريط لبنان بإقامتهم الدائمة فيه، على غرار إقامة اللاجئين الفلسطينيين فيه منذ العام 1948 تحت عنوان «إقامة مؤقّتة»، لم ولن ينتهي على ما يبدو، ولن يُصبح بالتالي في خبر كان، بحسب الأوساط الديبلوماسية ذاتها، من دون توافق الحكومة المقبلة على وضع سياسة واضحة لتأمين عودة النازحين السوريين الى بلادهم، على ما ورد في خطاب القسَم، وفي البيان الوزاري للحكومة الحالية.

كذلك فالمطلوب من الحكومة الجديدة، على ما لفتت الاوساط، أن تضع ملف النازحين السوريين كأولوية في بيانها الوزاري، إذا ما كانت تريد انطلاقة فعلية وقوية للعهد، وتأمين مستلزمات الشعب اللبناني، قبل أي شعب آخر يعيش على أرضه، سيما وأنّ إمكانات لبنان ضئيلة وتكاد لا تكفي أبنائه. على أنّ الإجراءات الضرورية التي يجب اتخاذها والبدء بتنفيذها لتحقيق عودة النازحين السوريين الى بلادهم، لا تنطلق من التعصّب العرقي أو الطائفي، خصوصاً وأنّ لبنان يستضيف الغرباء على أرضه منذ عقود من منطلق بحت إنساني، إنّما من عدم قدرة لبنان على الإستمرار مع كثافة سكانية متضخّمة نسبة الى مساحته الجغرافية الصغيرة.

وأشارت الاوساط الى أنّه لو أراد لبنان أن يحذو حذو الدول الأوروبية التي أغلقت حدودها في وجه النازحين السوريين، واختارت من تريد إدخاله الى بلادها ومن ترفضه، ووضعت شروطاً وقيوداً قاسية على هؤلاء، لما بقي أي نازح سوري على أرضه. إلاّ أنّه ورغم تدفّق أكثر من 35 % من نسبة سكّانه، من النازحين السوريين الى المناطق اللبنانية كافة، مقارنة مع قدراته المتواضعة، استضافهم بكلّ رحابة صدر، على أن يعودوا فور انتهاء الأزمة السورية. واليوم مع تحسّن الأوضاع الأمنية في المحافظات السورية، فلا شيء يمنع النازحين السوريين من العودة، إذا ما تمّ تأمين المساعدات لهم من قبل الدول المانحة حيث هم في بلادهم.

بناء عليه، لا يلزم لبنان قرارات أوروبية أو دولية لإعادة النازحين السوريين، بقدر ما يحتاج الى قرار سياسي من قبل الحكومة بإعادتهم.. هذا القرار الذي يدعمه «التيار الوطني الحرّ» و«القوات اللبنانية» من خلال تفاهم معراب، ويحبّذه كذلك حزب «الكتائب اللبنانية»، كما يُنادي به «حزب الله» و«حركة أمل». يبقى «تيّار المستقبل» الذي يوافق المجتمع الدولي على العودة الطوعية مع إيجاد الحلّ السياسي للأزمة السورية، في الوقت الذي يتوجّب عليه التوافق مع الأحزاب والتيّارات الأخرى على أخذ لبنان زمام المبادرة بنفسه، وفرض على المجتمع الدولي استكمال تقديم المساعدة للسوريين في بلادهم لتعزيز قدراتهم الإقتصادية. فهل تقوم الحكومة الجديدة بهذه الخطوة التي من شأنها وضع لبنان على السكّة الصحيحة نحو التطوّر والإزدهار؟!!