من يتابع الاعلام الغربي ونقله لجرائم الاحتلال الاسرائيلي في غزة يستنتج أن هنالك انقساماً واضحاً بين وسائل الاعلام  في  اسلوب تغطية الخبر الفلسطيني. ففي الضفة الاولى، ينحاز الاعلام اليميني الاوروبي الى تصوير الجيش الاسرائيلي على أنه يحمي حدوده ومستوطناته من «اجتياح» مناصري حركة حماس، وأن الشهداء الذين يسقطون كانوا السباقين الى استعمال العنف في وجه العدو الاسرائيلي. أضف الى ذلك، ان في نظر هذا الاعلام، الفلسطينيون «يموتون» نتيجة الاشتباكات «العنيفة»، بينما هم يقتلون عن عمد من قبل قناصة جيش الاحتلال  وعلى بعد مئات الامتار من السياج الشائك الذي يحاصر غزة من كل الجهات. بمعنى آخر يحاول هذا الاعلام تظهير المشهد على أن الطرفين متساويان، وأن من يسقط من الفلسطينيين يمثل النتيجة الحتمية للتحرك الفلسطيني.

وفي الخانة ذاتها، نرى معظم الاعلام الاميركي «الكوربورت»، باستثناء قلة قليلة من المواقع التي يمتلكها أفراد مستقلون يحملون لواء القضية الفلسطينية، كـ «أليستون وير» صاحبة موقع « ان علم الاميركيون». في نظرهم الاسرائيلي يحمي حدوده من هجوم «همجي وعنفي»، وأن سلطات الاحتلال لديها الحق في الدفاع عن «حدودها» مهما  كلف الامر.

اما في الجهة المقابلة فلقد تفوق الاعلام الاوروبي اليساري في تغطيته احداث غزة على بعض القنوات والصحف العربية التي أقل ما يقال فيها إنها متواطئة مع الاحتلال اعلامياً وثقافياً. فلقد وصفت صحيفة «لو موند» الفرنسية ما يجري في غزة بأنه «بحر من الدماء» بينما علقت «الغارديان» البريطانية أن الفلسطينيين الذين يقتلون جراء رصاص الاحتلال في غزة هم من النساء والاطفال والمقعدين، وأن عدداً كبيراً ممن اصيبوا أو قتلوا من المتظاهرين تم اطلاق النار عليهم من مسافات بعيدة وعلى الجزء العلوي من أجسادهم، أي الاصابة بهدف القتل وليس اعاقة التقدم كما يدعي الاعلام المنحاز لاسرائيل. وفي السياق ذاته، عالجت على سبيل المثال مجلة «مريان» الفرنسية ما يجري في غزة من ناحية القانون الدولي وانتقدت اسرائيل لرفضها لجنة مستقلة للتحقيق في احداث غزة، كما انتقدت ردة فعل فرنسا الخجولة على الجرائم التي ترتكبها اسرائيل.

أما بعض الصحف العربية واللبنانية (وهنا الطامة الكبرى)، فقد اكتفت بنشر رواية الوكالات الدولية من «شيع وعقد وأعلن واستنكر» دون اظهار حقيقة ما يجري في غزة من جرائم تصل الى مستوى جرائم حرب والمجازر ضد الانسانية. واحتراماً منا لمبدأ الزمالة، لن ندخل في معمعة التسمية والاتهام، الا أن على بعض وسائل الاعلام أن تراجع المفردات التي يتم استعمالها لتوصيف احداث غزة. في قاموسنا الوطني، ان من يسقط في وجه الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين يعد في خانة الشهداء وليس القتلى. فالفلسطيني الذي استشهد على ايدي جنود الجيش الاسرائيلي لم يقتل في حادث سير وعملية جراحية أو حادث مأسوي، بل استشهد دفاعاً عن أرضه وشرفه وكرامته وحقه في العودة الى موطنه وبلدته. كما أن من المعيب تسمية ما يجري بغزة على أنه نزيف أو اشتباكات مأسوية. ان ما يحصل هو جريمة علنية في وضح النهار وعلى شاشات التلفزة ضمن نهج معتمد من قبل قوات الاحتلال لارهاب الشعب الفلسطيني الغزاوي من مجرد التفكير بفك الحصار المفروض أو العودة الى أرضه.

نتمنى أن يتعظ المعنيون.