شكّل مشهد التلاقي في قصر بعبدا وبيت الوسط، إشارة الإنطلاق لقطار تأليف الحكومة الجديدة، والتي أكدت أوساط كل من رئيسي الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري، على أنها لن تتأخّر في الولادة، وذلك خلافاً لكل ما كان قد شاع سابقاً عن أن الحكومة الحالية ستستمر لمرحلة طويلة في تصريف الأعمال. وبرأي هذه الأوساط، فإن الإعلان الرسمي من قبل الرئيس بري عن التعاون في المرحلة الجديدة التي انطلقت بعد الإنتخابات النيابية، هو دلالة على إعادة إطلاق العمل السياسي وفق مناخ من الإيجابية، ولكن من دون إغفال وجوب التسوية والوفاق بين كل الأطراف، وبالتالي، عدم إقصاء أو استبعاد أي فريق سياسي عن المشهد السياسي المقبل.

في المقابل، فقد لفتت مصادر وزارية إلى التناغم في الحراك ما بين قصر بعبدا وبيت الوسط، حيث استقبل الرئيس سعد الحريري الدكتور سمير جعجع، في لقاء كان أكثر من «ممتاز» بحسب تصريح جعجع، علماً أن الرئيس بري كان قد وصف جلسته مع الرئيس عون بأنها «أكثر من ممتازة» أيضاً. واعتبرت بالتالي، أن الخطاب المنفتح على التوافق أولاً، وعلى العمل ثانياً، من أجل إطلاق عجلة المؤسّسات الدستورية، قد أطلق إشارات عدة باتجاه أفرقاء الداخل، كما الأطراف الخارجية، بأن صفحة الخلافات الإنتخابية قد ولّت إلى غير رجعة، وأن كل القوى المحلية تؤسّس لمرحلة جديدة في العلاقات، وعلى أكثر من مستوى سياسي وحزبي، وأن هذا الواقع سيترجم عبر عملية تأليف الحكومة الجديدة وفي صياغة بيانها الوزاري.

وانطلاقاً من التحوّل في المواقف الذي برز في الساعات الماضية، فقد توقّعت المصادر الوزارية نفسها، أن يشكّل الإتفاق على جلسة انتخاب الرئيس بري لرئاسة المجلس وتسمية الرئيس الحريري لرئاسة الحكومة، قوة دفع باتجاه الإتفاق على الخطوط العريضة لعملية تأليف الحكومة، خاصة وأن المؤشّرات الإقليمية تحاصر الرؤساء الثلاثة، وتدفع نحو تسريع العمل من أجل مواجهة أي تطوّر إقليمي مفاجئ من خلال فريق حكومي متجانس.

لذلك، ووفق المصادر نفسها، فإن المعادلة الحكومية الجديدة لن تختلف كثيراً عن سابقتها أو الحكومة الحالية من حيث وجوب أن تشمل كل الكتل النيابية على قاعدة الوحدة الوطنية، التي باتت أكثر من ملحّة في اللحظة الداخلية الدقيقة، لا سيما على الصعيد الإقتصادي. وبالتالي، فإن اعتماد خيارات حكومية أخرى، أو على الأقلّ سيناريوهات «إستفزازية» للحكومة المقبلة من خلال اجتهادات متنوّعة، منها ما يرتبط بالحقائب الوزارية، ومنها ما يتعلّق بالحجم النيابي والنفوذ، ومنها ما يعود إلى أجندات سياسية سابقة ومستقبلية، لن يكون قابلاً للتنفيذ، على حدّ قول المصادر الوزارية المطّلعة ذاتها، والتي ركّزت على التذكير بمواقف كل المرجعيات الداعية إلى حكومة توافقية، وليس إلى حكومة «أكثرية» تقابلها معارضة سياسية في الخارج أو في مجلس النواب.

وعلى الرغم من أن الأيام القليلة المقبلة ستكون كفيلة ببلورة اتجاهات الأطراف المعنية لجهة البحث في توزيع الحقائب الوزارية من خلال التصوّر المبدئي للحكومة الجديدة بين الرؤساء الثلاثة، فقد تحدّثت المصادر نفسها، عن تجاذبات لا تزال تسجّل في الكواليس السياسية حول الحصص الثابتة لكل فريق سياسي، خاصة وأن وزارات غير سيادية وغير خدماتية، باتت مطلباً لكتل نيابية انطلاقاً من شعارات تنافسية ليس أكثر ولا أقلّ، كما هي الحال على سبيل المثال بالنسبة لوزارة الشؤون الإجتماعية، بالإضافة إلى وزارتي الأشغال والدفاع، بعدما تم الإتفاق على وزارة المال.