مع استراحة التراشق السياسي والاعلامي، الذي بلغ اوجه خلال الساعات الماضية مصيبا بشظاياه مقارا عديدة، ومع حسم حزب الله لمعادلة «جيش - شعب - مقاومة» بوصفها غير قابلة للتغيير، «ومن يريد تركيب ثلاثية جديدة إنما يضيع وقته» على وقع «عاصفة» التيار الازرق المترافقة مع موجة من الشائعات والأخبار، وضع قطار استحقاقات ما بعد الانتخابات النيابية على السكة استعدادا للمحطات الدستورية المقررة ابتداءً من 23 الجاري، اولها انتخاب نبيه بري رئيسا للمجلس، مع تعثر تأمين اي شيعي من خارج الثنائي، كذلك اختيار نائب له وهو ما زال مدار اخذ ورد، قبل دخول محطة تشكيل الحكومة التي لن تكون نزهة حيث فيها الكثير من التعقيد، حصصا وحقائب وبيانا موعودا.

ووفقا لما تبينه حركة المشاورات والتسريبات خلال الساعات الماضية، يبدو ان زيارة رئيس الحكومة لعين التينة ومن بعدها بعبدا قد فتحت الباب عمليا امام الانتقال لمرحلة جديدة من الاتصالات السياسية بين اعمدة العهد الثلاثية بداية، كفيلة بنقل البلاد سريعا من الزمن الانتخابي الى حقبة التكليف والتأليف وانهاء الاستحقاقات البرلمانية، خشية دخول البلاد في ازمات ليس وقتها في غمرة التأزم الاقليمي والسخونة الدولية، على ما تشير مصادر مواكبة للحركة على خط المقرات الرئاسية.

امور دفعت بالرئيس نبيه بري الى خرق تدابيره الامنية المشددة، في زيارة «نادرة» الى القصر الجمهوري، حيث يحل ضيفا على الغداء، في دلالة واضحة لجو الاجتماع الذي جمع الرئيسين، وما تمخض عنه بعد وصفه «بالاكثر من ممتاز» من قبل عين التينة، نتيجة تطابق الرؤية حول الملفات الحكومية والاستحقاقات المجلسية، رغم اشارة مصادر متابعة الى ان العبرة تبقى في التنفيذ.

فالتطورات المتسارعة في الاقليم فرضت نمطا جديا من التعاطي مع استحقاقات المرحلة، وهو ما تتفق عليه كل القوى السياسية التي ستنخرط في الحكومة بمن فيها حزب الله الذي يتجه الى تحصين انتصاره الانتخابي بتعزيز وجوده الحكومي، «منغمسا» اكثر في الملفات الاقتصادية، حيث تؤكد المصادر ان عملية تشكيل الحكومة لن تطول لعدة اسباب داخلية وخارجية ابرزها:

- اعتبار بعبدا ان اي تأخير في تشكيلها سينعكس سلبا على العهد ويستنزف من رصيده معرضا البلاد لخضات هي في غنى عنها،خصوصا ان رئيس الجمهورية كان اعتبر ان حكومة العهد الاولى هي تلك التي ستقوم بعد الانتخابات النيابية، وفي هذا الاطار ترى المصادر ان التوازنات الموجودة داخل الحكومة اليوم بحاجة الى بعض التعديلات البسيطة وهي صالحة لان تستمر سواء في الحقائب او الحصص.

- النصائح الغربية التي ترددت اصداؤها في بيروت، والداعية الى سرعة استكمال بناء الهيكل الدستوري المؤسساتي في الدولة، لما فيه مصلحة لبنان، وسرعة استفادته من نتائج المؤتمرات الدولية، في حال وفائه بالتزاماته التي قطعها والتي يجب ان تترجم في البيان الوزاري. وفي هذا المجال رأت اوساط ديبلوماسية ان الاتجاه الذي يلمسه السفراء الاوروبيون في بيروت خلال زياراتهم يؤكد على قرار رئاسي واضح بضرورة انجاز الاستحقاق الحكومي بالسرعة المطلوبة.من هنا كان «الهجوم الاستباقي » لرئيس الجمهورية بحديثه عن حكومة بمن حضر في حال تعذر الوفاق الوطني.

- تقاطع مصالح  الاطراف الاساسية من تيار مستقبل وحزب الله على ضرورة انجاز التركيبة الحكومية في اسرع وقت ممكن في ظل ادراك الطرفين الخطوط الحمر للعبة الداخلية، والتي لن تتوقف عند السقف العالي للقوات اللبنانية رغم الكتلة الوازنة التي بات يملكها الحزب، لان بقاء معراب خارج الحكومة لن يشكل ازمة كبيرة .

غير انه وفي الطريق نحو الاستحقاق الحكومي ثمة من يرى في انتخاب نائب رئيس لمجلس النواب محطة مفصلية، اذ بعد اسقاط حق القوات اللبنانية في الحصول على الموقع وتعذر تأمين معراب للغالبية المطلوبة لخوض مواجهة، عادت الكرة الى الملعب العوني بوصف كتلته النيابية هي الاكبر والاكثر تمثيلا ارثوذكسيا، على ما تشير المصادر، معتبرة ان السباق انحسر بين مرشحين بعد «غربلة» طالت سبعة اسماء لترسو القرعة على النائبين ايلي الفرزلي والياس بو صعب،رغم ان جملة معطيات تتحكم باختيار كل منهما.

اوساط الوطني الحر لا تنفي ان الموضوع لا زال قيد الدرس والمتابعة،داخل قيادة التيار ومع الحلفاء وان اي قرار لن يتخذ قبل عودة رئيس الحزب من السفر، معتبرة ان الموقع حسم لصالحها،فيما يبقى الاسم مسار اخذ ورد، مشيرة الى «أننا لم نتخذ قرارنا في هذا الشأن لكن الكواليس تحفل بحوارات سياسية، دون ان ينفي ذلك حقنا بأن ينتمي نائب رئيس المجلس إلى تكتلنا وهو الأكبر في مجلس النواب، علما أن خيارنا يتأرجح بين النائب المنتخب الياس بو صعب والنائب ايلي الفرزلي، خصوصا ان الاكثرية بتمرير اي من الشخصين مؤمنة».

وفي هذا الاطار تؤكد المعلومات ان الاكثر ترجيحا لتولي نيابة الرئاسة هو النائب ايلي الفرزلي انطلاقا من جملة معطيات ابرزها:

- تفضيل عين التينة ان لا تكون نيابة الرئاسة لحزبي، خصوصا الوزير السابق الياس بوصعب الذي يشكل بعض الحساسية لكوادر امل منذ زمن توليه وزارة التربية والملاحظات الموجودة حول ادائه.

- تفضيل الرئيس بري وميله الى ان يعود لرئيس الجمهورية تسمية نائب الرئيس ليكون صلة الوصل بين الرئاستين الاولى والثانية ويلعب جسر التواصل بينهما في الفترة المقبلة، خصوصا ان الكتلة الاكبر هي للعهد .

-غمز اوساط مقربة من الوزير جبران باسيل استعداده لتسليف رئيس المجلس في هذا الخصوص، خصوصا انه كان سبق واعلن دعم الوطني الحر للمرشح ايلي الفرزلي على اللائحة المدعومة من حركة امل.

- الحديث عن ان الوزير بو صعب لا زال يدرس خياراته ولم يحسم امر السير بترشيحه لنيابة الرئاسة.

وتتابع المعلومات ان النائب شامل روكز يلعب دورا ايجابيا على هذا الصعيد من خلال المواقف التي يتخذها والتي تمايزت عن الموقف العوني لجهة قراره بدعم الرئيس نبيه بري والتصويت له لرئاسة المجلس، في تمايز واضح مع التيار الوطني الحر الذي لم يشارك في احتفاله المركزي مقيما حفل استقبال للمهنئين في قاعة «بلاتيا»، في الوقت الذي يدرس فيه تكتل لبنان القوي امكان التصويت بورقة بيضاء من ضمن «صفقة» اشمل من تحت الطاولة لتمرير سلسلة استحقاقات، في ظل قرار شيعي بترك خيار تسمية نائب الرئيس لبعبدا والرابية.

«عهد مصمم على الإنجاز، تمثيل ميثاقي صحيح، ومعادلة ثلاثية واضحة»، هكذا يقرأ البرتقاليون نتائج الصناديق، وتحت هذه العناوين يجب ان تترجم، حيث اولى المعارك الديموقراطية تحت قبة البرلمان، وعلى نتائجها تتحدد الموازين التي ستحكم ما بعدها.

في الانتظار، هل يُصلح لقاء بعبدا الرئاسي ما افسدته السياسة والانتخابات بين مختلف القوى وتتحقق الامنية الرئاسية بتشكيل سريع وسهل مطلوب محليا ودوليا؟ وهل يقلب غداء بعبدا وجهة تصويت «لبنان القوي»؟