أسئلة كثيرة تُطرح حول ما إذا كان لا يزال تفاهم «معراب» قائماً بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية»، لا سيما في ظل الأزمات الكثيرة التي عصفت بين الطرفين قبل الإستحقاق الإنتخابي النيابي؟ على هذه التساؤلات، أجابت مصادر قريبة من الطرفين، وتعمل على خط إعادة إصلاح ذات البَين بينهما، على هذه التساؤلات، وأشارت إلى أن تفاهم «معراب» ترنّح في المرحلة الأخيرة، لكنه لم يقع، بدلالة أن عدم التحالف في أي من الدوائر خلال الإنتخابات النيابية، قد شكّل دليلاً حياً وإضافياً بأن الأمور ليست على ما يرام بين «القوات» و«التيار»، ذلك أن عدم التحالف، هو تعبير عن علاقة سلبية، ولكن على الرغم من ذلك، وفي عزّ الحماوة الإنتخابية، وبعد الهجوم المركّز من الوزير جبران باسيل في الساعات الأخيرة قبل الصمت الإنتخابي، حيث أن الأمور لم تصل إلى مرحلة القطيعة، وإن استمرّت في حدود الإنتقادات السياسية. وبالتالي، أضافت المصادر، يمكن القول أن الأمور وصلت إلى أقصاها، وهي مرحلة طبيعية في ظل الخصومة الإنتخابية داخل بيئة مشتركة، وبقيت في إطار الإشتباك السياسي المحدود، من دون إسقاط المصالحة والعودة إلى القطيعة، مما يعني أن العلاقة بين الطرفين محكومة بالتفاهم، وأنهما ليسا في وارد العودة إلى مرحلة ما قبل تفاهم «معراب».

في المقابل، تابعت المصادر، فقد دلّت الأشهر الأخيرة أن عملية التعاون والتنسيق والتفاهم غير ممكنة، وهناك صعوبات في إعادة إحياء التفاهم بالشكل الذي تم إنتاجه في مراحل سابقة، وفي مطلق الأحوال، لا شك أن المرحلة الجديدة التي بدأت مع الإنتخابات النيابية، ستختلف عن المرحلة السابقة، ولكن بالتأكيد ستكون عناوين مشتركة بين الطرفين، أبرزها رفض العودة إلى ما قبل تفاهم «معراب»، ما يعني أن الطرفين سيتقاطعان بالموقف إزاء الملفات التي يرى كل طرف منهما أن هناك فائدة في التقاطع. فالطرفان على يقين اليوم بأنهما عندما تقاطعا على رئاسة الجمهورية وصل العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا، وكذلك بالنسبة لقانون الإنتخاب بعد 13 عاماً من غياب القوانين التي تعكس صحة التمثيل. وبالتالي، أضافت المصادر، فإن لهذا التقاطع فوائد ايجابية، مع أن الممارسة السياسية أظهرت اختلافاً في النهج ما بين «القوات» و«التيار»، لذلك، لا يمكن إسقاط تفاهم «حزب الله» وحركة «أمل» على تفاهم «التيار الوطني» و«القوات»، لأن تفاهم الحزب والحركة يأتي من منطلقات أيديولوجية، وربما بعمق إقليمي، بينما تفاهم «معراب» هو تفاهم محلي بامتياز. لذلك، فإن اختلافهما وتفاهمهما يرتدي الطابع المحلي بالبعد اللبناني، كما أن مساحة الإختلاف ومساحة التلاقي محصورتان بمواضيع محدّدة، والأهم الآن هو عدم العودة إلى القطيعة السياسية.

وفي حين اعتبرت المصادر نفسها، أن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بوضعية سياسية تختلف عن المرحلة السابقة، حيث أن الإعتقاد أن إحياء التفاهم سيعيد إحياء العلاقة إلى ما كانت عليه، هو مستبعد، مشيرة إلى أن تعزيز التفاهم سيشكّل نقطة إيجابية للعهد، لافتة إلى محاولة جديدة من المفترض أن تبصر النور في الأسابيع المقبلة من أجل ترميم هذا التفاهم الذي يخدم المصلحة الوطنية العليا. إنما في حال لم يتمكنا من ترميمه فمن الواضح أن سقف وحدود الخلاف هو عدم العودة إلى القطيعة، وهذا بحدّ ذاته يعتبر أمراً جيداً، خصوصاً وأن لكل طرف من الطرفين مقاربة خاصة للعناوين السياسية وللشأن العام.

وتقول مصادر مقربة من القوات انها شديدة الوضوح في مواقفها السياسية، بينما «التيار الوطني» يتموضع في الوسط، مما يجعل من «القوات» الجهة القادرة على التعبير عن تطلّعات الشرائح السيادية، كما أن كتلتها النيابية الكبيرة، هي المعبر لتحقيق التطلعات العابرة للطوائف انطلاقاً من قدرتها على إيصال صوتها السياسي والإصلاحي، ولا شك أن هذا الواقع يقود إلى مرحلة جديدة بتوازناتها التي يجب أن تنعكس داخل السلطة التنفيذية.

من جهة أخرى، قالت المصادر المقربة من القوات، أن محاولات تحجيمها أو إحراجها لإخراجها من الحكومة، ستفشل، لأن «القوات» لا تريد أن تعمل من أجل السلطة، لكنها تعمل من أجل التغيير ومن أجل الدفع بمشروع الدولة قدماً ببعديه السيادي والإصلاحي، لذلك، فإن محاولات التحجيم لن تتوقف، ولكنها ستعجز عن بلوغ أهدافها، لأن لا أحد يستطيع استبعاد «القوات»، ولأن الرأي العام اللبناني يتطلّع إلى مشاركة «القوات» انطلاقاً من تجربتها التي خاطبت اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، فضلاً عن أن القوات، وبحسب المصادر نفسها، هي الفريق السياسي الواضح الذي يستطيع أن يشكّل توازناً مع الفريق السياسي الآخر. وخلصت إلى أنه لكل هذه الأسباب مجتمعة، فإن «القوات» لن تهدي خروجها من الحكومة على طبق من ذهب لأي طرف تؤكد المصادر، وهي مصمّمة على استكمال مشروعها السياسي ومن داخل المؤسّسات حيث أنها تمدّ اليد مجدّداً إلى «التيار الوطني» بعد انتهاء الإنتخابات، وذلك من أجل إعادة إحياء التفاهم على قاعدة تنظيم الإختلاف بين شريكين متنافسين على أرض سياسية مشتركة هي الأرض اللبنانية.