المحامي جاك عقل

من فاته قراءة كتاب «ندم الرب على خلق اسرائيل، أما ندم الغرب؟» لمؤلفه نقيب محرري الصحافة اللبنانية الاستاذ الياس عون، عليه ان يتلو - كما الرب - فعل الندامة الف مرة ومرة..

كتاب غير مسبوق في مضامينه ومحتواه، وفي نهجه واسلوبه ومبتغاه، وهو خرق لجدار مسدود، ولقضية معضلة، عصت على الحلول منذ ما يقارب سبعة عقود، وترسخت جذورها شوكة دامية في قلب العروبة، وحربة في خاصرتها، بدعم من استعمار غاشم، وغطاء من حفنة غادرة من المستعربين، كوّنت على مدى العصور مأساة مؤلمة لشعب عانى من الظلم والاستبداد، وما يزال، ومن الضياع والتشرّد والحرمان، ما لم يعانِه أي شعب اخر.

نقيب مقدام، يناطح السحاب شموخاً في جرأته وشجاعته، عوّدنا أبداً ان يغوص في مواضيع شائكة معقّدة وجريئة، لا تخلو من المخاطرة في مقاربتها وتعريتها وتجويفها من الداخل وصولاً الى الحقيقة، ولا شيء عنده الا الحقيقة، واستناداً الى جهد جهيد، وسعي دؤوب، والى خبرة واسعة ومعمّقة في عالم الصحافة والشعر والأدب، اضافة الى قلم سيّال، مبدع وخلاّق، أتحفنا بأربعة مجلدات جديرة بالمطالعة، زادت المكتبة العربية ثراء وغنى، آخرها كان هذا الكتاب الذي هبط كنقطة الماء المثلّج على مبضع الجرّاح، بحثاً عن الحقيقة. نتصفّح وريقاته بنهم وشغف نظراً لما ينطوي عليه من معلومات ووقائع وحقائق تاريخية تقشعر لها الأبدان، لهولها وجسامتها وندرتها، وكلها ثابتة في مستندات ومراجع هي الأقوى لأنها مستمدة ومستخرجة من كتاب «التوراة» وتنطوي على سرد القباحات والموبقات وممارسة الأفعال الشاذة اللاأخلاقية التي نجد صعوبة في تقبّلها، أو الركون اليها، لأنها تفوق كل تصوّر وتتجاوز ما هو معقول الى اللامعقول، وغير المقبول لأصحاب الضمائر الحية والخجولة، ومرفوضة رفضاً قاطعاً وجازماً من كل المفاهيم والقيم، ومن ذوي البصر والبصيرة.

كتاب مليء بالعبر كوخز الابر، يهزك ويدهشك من حيث لا تدري، ويدفعك الى الثورة والنقمة والغضب، من شعب، تاريخه، مطلخ بالدماء، وحكامه مصاصو دماءه، وعاداته وتقاليده ومعتقداته موضع استخفاف وهزء، ولا مكان لها في قاموس البشرية. لا همّ لهؤلاء الحكام سوى زرع الفساد ونشر الفتن واستباحة الاعراض وارتكاب المجازر الوحشية، والاعتداء على الحقوق والممتلكات، ضاربين بعرض الحائط كل الشرائع والاعراف والقوانين الدينية والاخلاقية والمواثيق الدولية.

اما وان تبقى فلسطين قضية الشرق الاوسط ومشكلة المشاكل، يعنكب عليها التاريخ، ويعشعش عليها الزمن، عالقة على مدى العصور والدهور، بلا حلول او قيود، يعاني من تداعياتها العالم باسره، فعلى الدنيا السلام. لذلك ارتأى  النقيب الثائر الواعد والباحث حلاً وسطياً عادلاً وحكيماً لهذه القضية، كي لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم: «جعل اسرائيل دولة رمزية روحية مثل الفاتيكان، تعترف بها جميع الدول حتى العرب، ويكون لها علم وممثلون لدى جميع الدول، وتبقى فلسطين دولة عربية ديموقراطية علمانية يشترك فيها اليهودي والعربي على قدم المساواة كما هي الحال في لبنان».

في نهاية كتابه عرّج النقيب عون على تعداد الاسباب والعلل التي حالت وتحول دن تحقيق العرب اي انتصار اوثورة او معركة، لاسترداد فلسطين المسلوبة، ونصرة شعبها المغلوب على امره، بوجه عدو لدود متعجرف حاقد، سلخ اراضيه وجرّده من حقوقه  واغتصب ارزاقه وبيوته وصادر عيشه. ومن ابرز الاسباب التي اعاقت عودة فلسطين الى شعبها مثلما رأى النقيب عون، الفقر والجهل والفساد المستشري في صفوف الحكام بشكل عام.

في الختام لا بد لنا من ان ننوه بمزايا نقيب يعلو ولا يُعلى عليه، وهو حاجة وضرورة، بتواضعه ورفعة شأنه، وسمّو اخلاقه، ومناقبيته، انه الودود الغيور المحب، الكريم والمعطاء، لا يعرف الكره والحقد والحسد الى قلبه سبيلاً.

ما احوجنا اليوم الى امثاله حكّاما اوفياء يحذون حذوه ويقدرون قدره!