حملة التطهير التي بدأها الرئيس سعد الحريري بعد الانتكاسة غير العادية التي حلّت بتيار المستقبل في الانتخابات، سيكون لها ارتدادات ونتائج ليس على صعيد اعادة البناء التنظيمي للتيار فحسب، بل ايضاً على مساره ومواقف رئيسه في المرحلة المقبلة.

قيل كلام كثير حول اسباب وخلفيات ما اقدم ويقدم عليه الحريري، لكن الحقائق لن تتكشف كلها قبل اسابيع لان الاسباب تتجاوز موضوع الانتخابات ونتائجها.

يقول احد الاصدقاء من المهم ان يقدم الرئيس الحريري على محاسبة المقصرين او المسؤولين عما حل بتياره في الانتخابات، لكن الاهم ان يعرف كيف يكمل هذه الورشة واين سيصل.

وحسب اعتقاده فان مسألة استقالة او اقالة نادر الحريري تختلف عن الاجراءات التي اتخذت وتتخذ بحق عدد من المسؤولين والكوادر في المستقبل، وهناك «رائحة قوية» لبصمة سعودية على مثل هذا القرار لابعاده عن «الغرفة السياسية» للرئيس الحريري.

والمعلوم، ان القيادة السعودية لم تخف انزعاجها وغضبها الشديد من بقاء نادر الى جانب سعد بعد ازمة استقالة السعودية في الرياض.

ومما لا شك فيه ايضاً، ان السبب الثاني الذي لا يقل اهمية عن الاول هو المسار الذي لعب نادر دوراً مؤثراً في رسمه في مراكز القرار للمستقبل قبل وخلال الانتخابات، لا سيما تغليب العلاقة مع الوزير جبران باسيل على العلاقات الاخرى.

وتقول مصادر مطلعة ان نادر لم يلعب دوراً مكشوفاً في الانتخابات خصوصاً انه يفضل اللعب وراء الكواليس، لكنه شارك في بعض الطبخات والتسميات التي قد تكون ساهمت ايضاً الى جانب العوامل الاخرى الكثيرة في خلخلة الماكينة الانتخابية للمستقبل وبروز مراكز قوى متناصرة في معظم الدوائر.

ووفق المعلومات المتوافرة، فان نزول الرئيس الحريري على الارض خلال الحملة الانتخابية جاء بعد ان تلقى سيلاً من التقارير والشكاوى حول هذه الخلافات والتناحر بين المسؤولين والكوادر، لكن هذه الخطوة لم تنجح في لملمة الوضع الداخلي ومعالجة آثار ما اصاب تياره.

ورغم التكتم حول تفاصيل ما ينوي الحريري 2018 ان يقوم به بعد هذه الخطوة، فان هناك اعتقاد لدى الاوساط المراقبة انه سيعمل على ثلاثة محاور: المحور الاول يتعلق باعادة ترتيب البيت الداخلي للمستقبل، والثاني يتصل بعلاقاته مع القوى والاطراف السياسية، والثالث استكمال اعادة ترتيب العلاقة مع القيادة السعودية التي يبدو انها وضعت شروطاً او بنوداً معينة كمعبر للانتقال بهذه العلاقة الى مرحلة جديدة متقدمة.

وبرأي الاوساط ان الرياض وضعت الحريري في دائرة الاختبار لكنها في الوقت نفسه تركت له هامشا مقبولا لخوض معركته الانتخابية من دون مضايقة او تشويش معوّلة على نجاحه في هذا الامتحان ليس على مستوى نتائج الانتخابات فحسب بل ايضا على «إعادة تصويب» مساره في العلاقات مع القوى السياسية على الساحة اللبنانية.

ولا تستبعد الاوساط ان تكون هناك مرحلة ثانية من «الحركة التصحيحية» للرئيس الحريري بعد تكليفه وتشكيل الحكومة الجديدة. وان تتركز هذه المرحلة على رسم توازن جديد في علاقاته يطاول بالدرجة الاولى العلاقة المميزة مع باسيل.

وتتوقع ان يعدل الحريري النهج الذي اتبعه في المرحلة السابقة مع المحافظة بالدرجة الاولى على التعاون والتنسيق مع رئىس الجمهورية على حساب تلك العلاقة فوق العادية التي انتهجها مع صهره جبران.

ولا يخفى على احد ان القيادة السعودية تعمل على اعادة تطبيع العلاقة بين الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وترى فيها احد اسس اعادة التوازن في علاقات رئىس الحكومة مع القوى السياسية.

ووفقا للاعتقاد السائد فإن النتائج الجيدة التي حققتها «القوات» تشكل عاملا محفّزا للدفع باتجاه هذه الخطوة التي تريدها السعودية من الحريري،وقد بدأ ترجمتها في اللقاء الذي جرى امس بين الحريري وجعجع.

وفي المقابل يحرص الحريري، كما يرى مصدر مقرب منه، على ان يرسم علاقات متوازنة مع القوى السياسية دون تغليب علاقة على اخرى واستبدال التيار بالقوات، انطلاقا من شعاره الذي رفعه قبل وخلال الانتخابات بمد اليد للجميع من اجل العمل سويا لمواجهة الاستحقاقات المقبلة.

وبرأي المصدر ان الحريري لن يحدث انقلابا لا في بيته الداخلي ولا في علاقاته مع الاخرين، لكنه بطبيعة الحال سيقوم بحركة تصحيحية تأخذ بعين الاعتبار المطالب السعودية والمقتضيات اللبنانية.