فيما تعيش الساحة اللبنانية و«كواليسها» مطلع أسبوع إرتداديًا لمشهد نتائج الانتخابات النيابية، رسم الصمت الذي عمّ مختلف الاوساط والكواليس السياسية صورة معبرة عن طبيعة المراجعات والحسابات السياسية الدقيقة التي تجريها كل القوى الداخلية في شأن مشروع المرحلة المقبلة باستحقاقاتها البرلمانية والحكومية، باستثناء التيار الازرق الذي فجر قنبلته في وجه الجميع، ما قد يترك اثره على تحالفات الازرق، خصوصا ان حملة تطهيره طالت احد ابرز الاسماء نادر الحريري، الذي استقال من باريس.

في خلفية القرارات التي ربطها البعض تارة بمعطيات خارجية واخرى بنتائج الانتخابات التي خيبت آمال الجمهور السني،خسارة «الازرق» للمقاعد النيابية الـ 11 التي حافظ عليها منذ 2005، التي لا يمكن ان تمر دون قرارات من هذا النوع بحسب مصادر مقربة من تيار المستقبل، في اطار سياسة المحاسبة وفقا لمقدار المسؤوليات، املا في تغيير منهجية العمل المتبعة التي اثبتت صناديق الاقتراع فشلها ووجوب البحث عن اخرى جديدة في ادارة المعارك اللاحقة على انواعها.

صحيح ان السبب المباشر «للانقلاب» الذي يشهده التيار الازرق يعود الى نتائج الانتخابات التي وان حجزت الموقع السني الاول للرئيس سعد الحريري انما جاء ذلك اولا بنسبة تأييد سنية هزيلة قياسا لما كان سابقا، وثانيا، عودة رموز سياسية الى الندوة البرلمانية لم يكن من السهل على «سنة» لبنان بلعهم نظرا للادوار التي لعبوها في الفترات السابقة او الحملات التي خيضت ضد بعضهم، وثالثا، «النقمة» ضد بعض رموز التيار والاسماء البارزة فيه، وتحميلها مسؤولية ما آلت اليه اوضاع الطائفة ورئاسة الحكومة. وعند هذه النقطة تتقاطع المعلومات مع ما سبق وقيل خلال فترة استقالة الرئيس الحريري عن «غضب» سعودي ضد بعض الكوادر الاساسية في المستقبل التي تتحمل مسؤولية الانهيار السياسي الكبير لمشروع ثورة الارز، و «تسليمها» لمشروع حزب الله تحت راية «المصلحة الوطنية»، على ما تشير اليه المصادر.

وترى المصادر ان الموقف من ربط النزاع مع حارة حريك الذي تحول الى «غزل» متبادل عبر عنه الرئيس الحريري في اكثر من اطلالة اعلامية، وبعدما ادرك جمهور المستقبل ان ما صدر من مواقف خلال فترة الانتخابات لم يكن اكثر من خطاب شعبوي، لعب دورا اساسيا في الإحجام السني عن الصناديق، حيث تؤكد اوساط بيروتية ان حزب الله كان قادرا على الذهاب ابعد في معركته الانتخابية ضد الرئيس الحريري لتحجيمه اكثر الا انه اراد ايصال رسالة واضحة دون ان يستفز الشارع السني، معتبرة ان الحوار الثنائي بيّن الطرفين بعد سنوات على انعقاد جلساته انه كان لزوم ما لا يلزم، دون ان يحقق عمليا اي شيئ ليبقى مجرد حبر على ورق.

كما لعبت ثنائية «المستقبل- التيار الوطني الحر» التي لم يستثغها الشارع السني المستقبلي، ولم يهضم ترك الحليف القواتي الذي خاض معه معركة 14 آذار قبل الانتقال الى الضفة «العونية» التي ما زالت حتى الساعة تنبش قبور «الابراء المستحيل»، اذ ترى بعض القواعد الشعبية المستقبلية ان هذه النقلة بمن يقف خلفها، مصلحية نفعية للبعض من الجانبين الذي يوظفها لمصالح شخصية بحت، فيما يتمسك الرئيس الحريري بالحفاظ على الاستقرار الذي استنزف رصيد «المستقبل» كما اظهرت نتائج صناديق الاقتراع. فقد بينت السنة التي انقضت من عمر العهد «رهن» الرئيس الحريري لمقام الرئاسة الثالثة عند الرئيس عون، دون ان يحقق اي من مصالح الطائفة ضاربا هيبة مركزها الاول في النظام، فاقدا قوة التاثير التي كانت طوال الفترة الماضية.

غير ان هذا الوضع اللبناني يجد جذوره وامتداداته في الموقف الاقليمية وتحديدا للمملكة العربية السعودية التي وجدت نفسها الخاسر الاكبر بعدما نجح حزب الله في ايصال «كتلة سنية نوعية» من حصته، من جهة، وثانيا، في تحقيق الغالبية التي سعى اليها، اي اكثر من سبعين نائبا، ما قلب المعادلات في السلطة التشريعية، واعاد خلط اوراقها، ما يصعب على الرياض اي مواجهة حاليا في لبنان، مع ترسيخ حزب الله ومن خلفه ايران لنفوذها لبنانيا.

فالرسائل السعودية التي وصلت مع الزيارات الدبلوماسية الى معراب للتهنئة، بداية ،وفي مواقف الاعلام السعودي الذي تناول الاستحقاق من باب «شرعنة» حزب الله لسيطرته على القرار اللبناني، مرورا بتصريح وزير الخارجية التركي، ما يعطي صورة واضحة عن الموقف الاقليمي وما آلت اليه الامور، وتحميل الرئيس سعد الحريري مسؤولية الفشل، خصوصا بعد الفرصة التي اعطيت له في اطار التسوية الاخيرة التي اعادته الى السراي بدعم فرنسي، يضاف الى ذلك ايضا، وبحسب مصادر مراقبة، ان الاجواء في باريس وواشنطن غير مرتاحة للنتائج المحققة ولانقلاب الاكثرية في المجلس النيابي، معتبرة ان حزب الله بات يملك هامشا اوسع للتحرك بغطاء شرعي.

بين الاستقالات والاعفاءات قطب كثيرة مخفية، قد لا تظهر حقيقتها قريبا، وقد لا تقف عند الحدود التي بلغتها، لان الظروف قد تحتم على الارجح اكثر من ذلك لاحقا، وربما تطهير التيار من كل من اوصله الى حيث هو، قبل انطلاق حقبة استحقاقات ما بعد الانتخابات، حيث ثمة من يحصر ما يجري باستحقاق تشكيل الحكومة ورفع سقوف المطالب والشروط الى الحد الاقصى، بحيث بات الظرف الاقليمي، مع تصوير فريق الثامن من آذار نفسه الرابح الاكبر، ما يفرض عودة «المستقبل» بصورة جديدة تتناسب ومقتضيات المرحلة املا في تحقيق ما كان مطلوبا من صدمة استقالة»الشيخ».