بولا مراد

بالرغم من كل ما يُحكى في العلن عن عدم انطلاق المشاورات لتقاسم الحقائب الوزراية، الا انه في الواقع فقد انطلق هذا القطار حتما، خاصة وان استحقاق انتخاب رئيس جديد للمجلس النيابي لا يشغل أيا من الفرقاء الذين رضخوا منذ مدة لواقع ان لا بديل عن الرئيس الحالي نبيه بري، وان كان عدد منهم سيسجل موقفا بعدم التصويت او التصويت بورقة بيضاء وأبرزهم نواب«التيار الوطني الحر».

وقد بدأ وزير الخارجية ورئيس « التيار الوطني الحر» جبران باسيل حركة مشاورات لتسمية عدد من الوزراء الـfresh  ومن «خارج العلبة» أو ما يُعرف باللغة الانكليزية  outside the box خاصة وانه لم يكن راضيا البتة عن تجربة الوزراء العونيين الحاليين، وقد أعلنها أكثر من مرة وسعى بجهد لتغييرهم من دون ان يجد تجاوبا من قبل باقي الفرقاء السياسيين. ولعل الوزيرين العونيين الوحيدين اللذين قد يعودا الى التركيبة الوزارية الجديدة هما باسيل نفسه ووزير الطاقة سيزار أبي خليل في حال بقيت هذه الوزارة من حصة التيار، على ان يختار باقي وزراء التيار كما وزراء رئيس الجمهورية من الوجوه الجديدة الشابة، خاصة وأن المعلومات تؤكد انه فاتح أكثر من شخصية أحدها رياضية لتولي حقيبة الشباب والرياضة.

وتم التداول أيضا في الايام الماضية بتوجه لتسليم النائب شامل روكز وزارة الدفاع، علما انه حتى الساعة لم يُحسم توزيع الوزارات، وما قد يكون الثابت الوحيد تمسك «الثنائي الشيعي» بوزارة المالية. وتعتبر مصادر سياسية متابعة للحراك الحاصل انه من مصلحة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كرر أكثر من مرة ان الحكومة المقبلة هي التي ستكون الحكومة الفعلية للعهد وليس الحكومة الحالية، الاشراف شخصيا على انتقاء الوزراء العونيين والحرص على ان يكون هؤلاء من الشخصيات الوازنة، لافتة الى ان حكومة يكون مثلا النائب جان عبيد وزيرا لخارجيتها هي حكومة يعوّل عليها.

وتشير المصادر الى ان الكل يترقب انطلاق المشاورات الحكومية بشكل رسمي ليضع كل أوراقه على الطاولة، لافتة الى ان هناك تحفظ كبير من قبل كل الفرقاء دون استثناء في المرحلة الحالية، يحول دون الكشف عن الحقائب الوزارية التي سيطالبون بها تجنبا لاحراق أوراقهم، علما ان كلا منهم وضع أكثر من سيناريو وبالتالي أكثر من لائحة مطالب لتتناسب مع الظروف التي ستكون متوافرة.

وفيما يبدو باسيل مرتاحا لتعدد خياراته الوزارية، وان كان لا يزال يتطلع لانضمام « القوات اللبنانية» الى صفوف المعارضة كي يحصل على حصتها في الحكومة المقبلة، يشعر رئيس الحكومة وتيار «المستقبل» سعد الحريري انه مكبل نتيجة التعهدات التي أطلقها خلال عملية الترشيحات النيابية لشخصيات استبعدها من النيابة لكنه وعدها بالوزارة لتفادي انقلابها وقاعدتها الشعبية عليه عشية الاستحقاق النيابي. فقد أعلنها وزير الاتصالات جمال الجراح صراحة انه خُير بين الوزارة والنيابة فاختار الأولى، فيما أفيد عن توجه حريريّ لتوزير القيادي في « المستقبل» مصطفى علوش بعد استبعاده من النيابة. وتطول لائحة الشخصيات التي تنتظر على لائحة تيار «المستقبل» للتوزير، فيما تضغط جمعيات نسائية على الحريري للوفاء بتعهداته بتوزير نساء في الحكومة الجديدة انسجاما مع سلسلة مواقف أطلقها في المرحلة السابقة تعهد فيها بأن يكون هناك «كوتا للمرأة» في الحكومة المقبلة.

وبالرغم من كمّ التعقيدات الذي قد يكون محيطا بعملية تشكيل الحكومة العتيدة، نظرا لتوتر العلاقات بين معظم الفرقاء وبخاصة بين باسيل والقسم الأكبر من القوى السياسية، ترجح المصادر ان لا تطول عملية التأليف كثيرا، فلا تتخطى السقوف الزمنية لتشكيل الحكومات نظرا لاصرار رئيس الجمهورية على ان تكون الولادة الحكومية سريعة وسلسلة لاقتناعه بأن اي ولادة متعثرة قد تنعكس على انطلاقة وعمل مجلس الوزراء في المرحلة المقبلة، ما يُرجح فرضية ان لا يعتمد «التيار الوطني الحر» سياسة التشدد في طلباته، كما حصل خلال تشكيل الحكومة الحالية، وأن يكون مهادنا ومتجاوبا شرط عدم التعرض لعدد من « مسلماته».

وتشير المصادر الى ان تبلور ملامح التكتل النيابي العريض الذي يسعى الرئيس بري لترؤسه، سيشكل عنصرا اساسيا لتبيان المسار الذي ستسلكه الامور في عملية تشكيل الحكومة، خاصة مع توجه قسم كبير من الأحزاب والتيارات كما الشخصيات التي ستنضوي في هذا التكتل لتوكيل بري بالمطالبة بحصصها الوزارية.

بالمحصلة، يبدو محسوما ان الحكومة المقبلة لن تشبه بشيء الحكومة القائمة حاليا. فان كانت عودة الحريري لترؤسها أمر مفروغ منه، الا ان الوجوه التي ستضمها كما السياسة التي ستنتهجها وجدول أعمالها وأولوياتها، الأرجح ان تعبّر عن « تغيير استراتيجي في مسار الحكومات اللبنانية».