بعد انتهاء العملية الإنتخابية النيابية على خير، لم يفرض الهدوء الذي كان متوقّعاً بعدها، نفسه على سائر الأطراف السياسية، بل نشبت «المعارك» الطائفية والمذهبية على أكثر من جبهة، لا سيما الجبهة المسيحية من خلال التصعيد الكلامي، والدرزية من خلال الإشتباك الذي حصل بين أنصار جنبلاط وإرسلان وأوقع قتيلاً هو علاء أبو فرج، والسنيّة من خلال ترتيب البيت الداخلي لـ «تيّار المستقبل» من استقالة مدير مكتب رئيس الحكومة نادر الحريري وصولاً الى إقالة أشخاص آخرين من قبل سعد الحريري.. وحدها الجبهة الشيعية بقيت بمنأى عن التصعيد الكلامي والإستفزازات والخلافات بين الثنائي الشيعي أي «حزب الله» و«حركة أمل» كونهما حقّقا الفوز والأرقام التي كانا يريدانها.

وأمام هذا الواقع الجديد الذي لا يُنبىء بسرعة تشكيل الحكومة أو التوافق حتى داخل المجلس النيابي الجديد، تقف أوساط سياسية بارزة ضدّ ما يحصل بين «التيّار الوطني الحرّ» وحزب «القوّات اللبنانية» بعد الإنتخابات النيابية حول أي منهما كتلته أكبر، انطلاقاً من أنّ الجميع عندما وقّع على القانون النسبي على أساس 15 دائرة، (وهو القانون الذي وضعه أساساً النائب جورج عدوان) كان على عِلم بازدياد كتلة القوّات وخسارة «التيّار» و«لمستقبل» لبعض من مقاعدهما النيابية. من هنا، فالنتائج لم تأتِ مفاجئة من هذه الناحية، على ما تقول، لكي يتحوّل «تفاهم معراب»، وما نتج عنه من شعار «أوعى خيّك» الى «أوعى من خيّك».

كذلك فلا مجال للخلاف بين الكتلتين المسيحيتين، على ما ذكرت الاوساط، على الحقائب الوزارية أو على عددها، لأنّ القانون يُعطي كلّ كتلة المقاعد الوزارية التي يجب أن تنالها من دون مشاحنات وخلافات لا جدوى منها. ولهذا نصحت الاوساط كلا من «التيّار» و«القوّات» بتعزيز «تفاهم معراب» والعودة الى التقارب بينهما بدلاً من توسيع الشرخ الذي حصل خلال الإنتخابات، لأنّ ذلك يصبّ لصالح المسيحيين ككلّ الذين أصبحوا «أقليّة» في لبنان ودول المنطقة. كما أنّه من خلال توافقهما مع بعضهما البعض ومع «تيّار المستقبل»، على ما أشارت الاوساط، فإنّ ذلك سوف يُسهّل التوافق على المشاريع التي من شأنها تطوير البلاد وتلبية حاجات المواطنين.

أمّا بالنسبة لتوزيع الحقائب، فهو أمر غير متفق عليه بين كلّ الأطراف حتى الآن، خصوصاً وأنّ كلّ طرف سياسي بدأ يطالب بهذه الحقيبة السيادية أو تلك، ويرفض أخرى وما الى ذلك، كما يؤكّد على ضرورة حصوله على عدد معيّن من الحقائب. غير أنّ بعض الأحزاب (مثل «التيّار» و«القوّات») لم تتحدّث حتى الآن عن مبدأ «فصل النيابة عن الوزارة» الذي كانت تعتمده قبل وصول بعض وزرائها الى المجلس النيابي، والذي يجب الحفاظ عليه منعاً لتداخل الصلاحيات.

وتجد الأوساط نفسها أنّ الكتل النيابية التي نتجت عنها الإنتخابات الأخيرة أصبحت أكثر عددياً أي أنّه سيكون في المجلس الجديد نحو خمس كتل نيابية كبرى تتصارع بدلاً من أن تتحالف وتُسهّل المشاريع، إلاّ أنّ جميعها على خلافاتها سوف تنتخب نبيه برّي مجدّداً رئيساً للمجلس النيابي الجديد الذي سيتسلّم مهامه في 21 أيّار الحالي فيما تنتهي ولايته في 20 أيّار من العام 2022. على أنّه بعد دعوة الأعضاء من قبل كبير السنّ النائب ميشال المرّ، يعقد المجلس أولى جلساته برئاسته، في 22 أو 23 أيّار الجاري، ويتمّ خلالها انتخاب الرئيس الجديد للمجلس ونائبه وأعضاء هيئة المكتب.

وصحيح بأنّه «من حقّ أي نائب أن يترشّح الى رئاسة مجلس النوّاب، حتى ولو كان مسيحياً.. وأنّ الترشيح يُمكن أن يحصل قبل أو خلال جلسة الإنتخاب»، على ما قال الرئيس برّي، أكّدت الأوساط نفسها على أنّ احداً لا ينوي الترشّح لهذا المنصب مقابل برّي لا من الشيعة ولا من الطوائف الأخرى. ولكنها كشفت عن إمكانية توسيع هامش الأوراق البيضاء التي سيحصل عليها برّي من قبل كتلة «لبنان القوي» كردّ للحساب على عدم تصويت كتلة «التنمية والوفاء» النيابية لصالح العماد ميشال عون خلال جلسة انتخاب رئيس الجمهورية لكي لا يفوز من الدورة الأولى بأكثرية الثلثين (أي بـ 86 صوتاً) على ما كان متوقّعاً... بل احتاج الأمر يومها الى 4 دورات إنتخابية، الأولى نال فيها عون 84 صوتاً، فيما ألغيت نتائج الثانية والثالثة قبل الفرز بسبب تجاوز عدد المغلفات عدد الحضور، وصولاً الى الدورة الرابعة التي حاز فيها عون على أكثرية 83 صوتاً.

ولهذا تتوقّع فوز الرئيس برّي بمنصبه مجدّداً،وهو يضمن أصوات نوّاب الثنائي الشيعي وحلفائهما التي تصل وحدها الى 45 صوتاً، فضلاً عن أصوات «تيّار المستقبل» العشرين، واللقاء الديموقراطي التسعة، وأصوات كتلة العزم الأربعة، وثلاثة للطاشناق، وأصوات من الكتل الأخرى.

وشدّدت الاوساط على أنّ التشاور الحالي قائم حول منصب نائب رئيس المجلس، ولأنّ «التيّار الوطني الحرّ» يملك الأرجحية لاختيار إسم نائب الرئيس من الطائفة الأرثوذكسية كونه يُمثّل أكبر كتلة نيابية مسيحية (رغم خسارته لبعض المقاعد)، فإنّ المعلومات أشارت الى أنّه سيعطي هذا الموقع إمّا للنائب إيلي الفرزلي الذي سبق وأن شغله لفترة طويلة، أو للنائب المنتخب الياس بو صعب (على الأرجح). فيما سيتمّ الإبقاء على منصب نائب رئيس الحكومة لحزب «القوّات» ليقرّر من يريد، كونه يمثل ثاني أكبر كتلة نيابية مسيحية في المجلس النيابي، على ما يفرضه العرف السياسي.

في المقابل، لفتت الاوساط الى أنّ التحالف بين «التيّار الوطني الحرّ» وبين «تيّار المستقبل» سيبقى قائماً على ما كان عليه منذ التسوية السياسية، وإن أدّى الى خسارة «تيّار المستقبل» لبعض مقاعده النيابية، أو لانتخاب نوّابه برّي رئيساً للمجلس النيابي مقابل أن تسمّي كتلته الحريري لرئاسة الحكومة الجديدة.. غير أنّ الأحجام، إن كبرت أو صغرت لا تكفي لوحدها من دون التحالفات النيابية والوزارية المستقبلية الى اتخاذ أي قرار أو إسقاط أي مشروع، على ما لفتت الاوساط، لهذا فإنّ التقارب بين الكتل الكبيرة يعطيها حجماً أكبر لجهة اعتماد المشاريع، فيما بقاء كتلة كبيرة بمفردها لا يؤدّي الى أي منفعة شخصية أو وطنية. فالكلّ اليوم سيكون أمام مسؤولية مضاعفة، لجهة تزخيم انطلاقة العهد التي أرادها عون بعد تشكيل الحكومة الثانية في عهده، وأن يلامس قضايا الناس الإجتماعية والمعيشية الملحّة.