توقفت مصادر ديبلوماسية غربية، عند السجال الدائر على الساحة الداخلية حول قانون الانتخاب الذي جرى الاستحقاق النيابي على أساسه، واستغربت التباين في القراءات ما بين القوى السياسية بالنسبة لصحة التمثيل التي سمح بها هذا القانون لفئات حزبية وسياسية لم تكن ممثّلة في المجالس النيابية السابقة نتيجة قانون الانتخاب «الأكثري». وعلى الرغم من الإشادة من قبل «الثنائي الشيعي» و«القوات اللبنانية» وشخصيات مستقلة وتاريخية ومناطقية بقانون «النسبية»، فإن المصادر لاحظت أن معارضة سياسية واسعة قد تكرّست ضد القانون الجديد، وباتت تفرض الدخول في عملية تعديله في مرحلة لاحقة. لكنها استدركت معتبرة أن القانون الانتخابي قد حقّق الأهداف التي وضع من أجلها، وفي مقدمها إطلاق مرحلة سياسية جديدة في لبنان عنوانها تكريس خيار سياسي مختلف عن السابق، ويمهّد لقواعد لعبة سياسية تنهي بمفاعيلها كل نتائج مراحل الاصطفافات الداخلية، وذلك تمهيداً لإرساء معادلة أمر واقع على الساحة اللبنانية، تتحدّد فيها التحالفات وفقاً للأحجام النيابية التي تعكس فعلياً مزاج اللبنانيين وخيارهم السياسي بالنسبة للعناوين السياسية التي رفعتها اللوائح الحزبية في الدرجة الأولى في الانتخابات النيابية الأخيرة.

ورأت هذه المصادر، أنه على المجتمع الدولي، كما على عواصم القرار الإقليمية، التعامل بشكل مختلف مع هذه المرحلة التي كرّست تمثيلاً نيابياً واسعاً لـ «حزب الله» وحلفائه الذين حصدوا 42 مقعداً في المجلس النيابي الجديد.

من هنا، فإن «النسبية» التي اعتمدت للمرة الأولى، قد خلقت مواجهات ما بين الحلفاء والخصوم وما بين الشركاء في جبهة واحدة، مما أدّى إلى انقلاب المعادلات وتبدّل التحالفات وصولاً إلى زوال الاصطفافات السياسية وتكوين اصطفافات على قواعد إنمائية واقتصادية وإصلاحية، بعيداً عن أي عناوين سياسية انقسامية مرتبطة بالمحاور الإقليمية، كما قالت المصادر الديبلوماسية نفسها، التي وجدت أن تعاطي «حزب الله»، وهو الفائز الأكبر في هذه الانتخابات على المستوى الداخلي، سيكون مختلفاً بشكل جذري عن كل التجارب السابقة، وذلك بدءاً من عملية تشكيل الحكومة العتيدة وصولاً إلى البيان الوزاري، مروراً بتحديد الموقف من القضايا المصيرية في المنطقة الشرق أوسطية المشتعلة، والاستمرار في العمل على مواجهة التحديات على أنواعها، وأبرزها حماية لبنان من أي عدوان إسرائيلي.

ووفق القراءة الغربية لما حقّقه «حزب الله» في هذه الانتخابات، فإن المصادر الديبلوماسية ذاتها، أكدت أن ما من تغيير في طريقة التعاطي الدولية مع الواقع السياسي، وبخاصة أن نتائج الانتخابات النيابية كانت متوقّعة، وبالتالي، فإن التهنئة الغربية بالإنجاز الانتخابي، هي مؤشّر على طبيعة المرحلة، وعلى استمرار الأسلوب الدولي نفسه في التعامل مع لبنان، والذي برز في دعم الدول المانحة المباشر للدولة اللبنانية في مؤتمرات «سيدر1» و«بروكسل» وقبلها مؤتمر «روما» بهدف دعم الجيش اللبناني. وفي سياق متصل، فإن المصادر نفسها، رأت أن عواصم القرار الغربية والإقليمية قد رمت الكرة في ملعب الحزب من خلال الإشادة بالانتخابات والاعتراف بنتائجها، وهي تترقّب أداءه في الملفات الداخلية، في ضوء تركيزه في خطابه الانتخابي، على عملية بناء الدولة، من دون التخلّي عن العمل المقاوم، وعن الجهوزية في مواجهة أي عدوان إسرائيلي محتمل.