من الواضح ان كل من رئيس تيار المستقبل سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحرّ الوزير جبران باسيل، لم ينطلقا في تحالفاتهما الانتخابية من اعتبارات تتعلق بما كان ينسجه كل منهما من تحالفات سبقت الاشهر الاخيرة من موعد الانتخابات وبالتحديد منذ ازمة رئيس الحكومة مع السعودية، بحيث ان اكثرية هذه التحالفات لكلا الرجلين بنيت على طموحات كل منهما بالحصول على اكبر عدد ممكن من المقاعد، وفي الوقت نفسه بنيت ايضاً على المصالح المتشركة لكل منهما التي تقاطعت سياسياً، وفي معظم المفاصل الاساسية لكثير من الملفات الادارية والمالية و«المصلحية» داخل الحكومة، وفي كل ما له علاقة بقضايا اخرى، مثل مؤتمر «سيدر واحد» وغيره.

ولذلك، يعتقد مصدر سياسي معني بما حصل في الاسابيع والاشهر الماضية، ان هذا التناغم، وهذه التقاطعات بين الحريري وباسيل لم تأت من فراغ، سواء في المرحلة السابقة من عمل الحكومة وباقي مؤسسات الدولة، او بما له علاقة بالتحالفات الانتخابية، بل ان هذه «المودة الزائدة» بين الرجلين حصلت نتيجة شعور كل منهما بان له مصلحة كبرى في الذهاب بعيداً في اقامة هذه الثنائية بين حزبين يعتبران من كبرى الاحزاب السياسية في البلاد، وما يتوقع ان يمثل كل منهما في الندوة البرلمانية بعد الانتخابات ولاحقا في الحصص على مستوى تشكيل الحكومة.

ومن هذا المنطلق يشير المصدر السياسي الى ان ما دفع كل منهما للاقتراب اكثر فاكثر باتجاه الآخر، وما هو متوقع من تعميق هذه العلاقة في المرحلة المقبلة انها تنطلق من اعتبارات بعضها مشترك واخرى يرى فيها كل منهما مصلحة له للمرحلة اللاحقة، سواء الشخصية او الحزبية.

فالرئيس الحريري يقول المصدر انه رغم عودته للحضن السعودي وتبنيه احد شروطها القائمة على عودة التصعيد ضد حزب الله وسلاح لمقاومة، انها في موازاة ذلك اعطته السعودية «حرية معينة» في طبيعة التعاطي مع القوى السياسية الاخرى في لبنان، بل ان رئيس المستقبل يبدو انه اقنع محمد بن سلمان بان مصلحته ومصلحة السعودية في «توثيق العلاقة» مع رئيس التيار الوطني الحرّ، بعد ان لمس الحريري ان باسيل يتجه للابتعاد سياسياً - ولو بحدود معينة - عن مضمون التفاهم الذي كان ارساه الرئيس ميشال عون مع حزب الله، كما ان الحريري الذي لا يريد ان تصل العلاقة مع حلفائه السابقين من النائب وليد جنبلاط الى «القوات اللبنانية» الى حدود القطيعة، يعتقد ان هذه العلاقة«الحميمة» مع باسيل والتي فيها تبادل للمصالح المشتركة، انما هي التي تشكل بالنسبة له الرافعة الاساسية في المرحلة المقبلة، ليس فقط من حيث بقائه رئاسة الحكومة خلال عهد الرئيس عون، بل تمكنه ايضا من تسويق وتمرير ما يعمل له على مستوى ما يطرحه من عناوين لكيفية تعاطي الحكومة ومجلس النواب مع المرحلة اللاحقة.

وما يشجع الحريري - بحسب المصدر - على ذلك ان باسيل من موقعه كرئيس للتيار الوطني الحر وللتكتل الذي سيعاد تشكيله بعد الانتخابات، انما يعتبر حزب العهد ورافعته السياسية والنيابية، ولذلك يشعر رئيس المستقبل ان تكرار تجربة الاشهر الماضية في الحكومة، وحتى توسيع اطر التعاون الثنائي مع باسيل، من شأنه ان يمكنه من «اصطياد اكثر من عصفور بحجر واحد» بدءاً من استفادته من موقعه في رئاسة الحكومة ومن تبادل المنافع مع الوزير باسيل لاعادة تعويم وضعه الشعبي في مواجهة خصومه من الزعماء السنة وايضاً اعطاؤه الحصانة السياسية الخارجية اكبر مما هي عليه اليوم.

اما الوزير باسيل، فيقول المصدر انه ذهب بعيداً في توسيع مروحة خصوماته السياسية في الاشهر الماضية، مسيحياًَ واسلامياً، ولذلك وجد في ثنائيته مع الحريري وما يمثله الاخير سياسياً وعلى مستوى التمثيل في الطائفة السنية، ملاذاَ وحيداً لمحاولة تثبيت المقاومة الجديدة التي عمل لها في الفترة الماضية والتي تنطلق من عدة طموحات شخصية وسياسية وحزبية، يلخصها المصدر بالآتي:

1- انبطاح الحريري بشكل لم تشهده كثير من رئاسات الحكومة امام كل ما يريده رئيس التيار الوطني من مغانم في السلطة سواء ما له علاقة بالتوظيف على حساب باقي القوى المسيحية الاخرى، وان ما له علاقة بطروحات وزراء التيار الوطني حول كثير من التلزيمات والصفقات بدءاً من ملف الكهرباء وما يدور حوله من شبهات، ما شجع باسيل على تمرير الكثير من المسائل التي  تخص رئيس الحكومة وتيار المستقبل على المستوى الحكومي وباقي ادارات الدولة.

2- اعتقاد رئيس التيار ان العلاقة المميزة مع الحريري هي المدخل الجدي لسيطرة باسيل على اكثرية المقاعد والحصص الحكومية المخصصة للجانب المسيحي، اي ان باسيل يراهن على ذلك، في مقابل تسميته للحريري لرئاسة الحكومة.

3- اعتقاد باسيل ان هذه العلاقة مع رئيس تيار المستقبل وبين موقعه لاحقاً في رئاسة الحكومة، ستشكل البوابة التي يمكن ان تدفع الحريري لتسويق اسمه خارجياً في مرحلة لاحقة للوصول الى رئاسة الجمهورية بالتوازي مع دعمه ايضاً من جانب كتلة المستقبل.

لذلك يرى المصدر ان كل من الحريري وباسيل يجد في علاقته مع الآخر، منطلقاً لكي يتمكن كل من الرجلين من تمرير اجندته على مستوى مغانم  الدولة، وعلى مستوى ما يعتقد كل منهما ان يتناسب مع الدور الذي يطمح لكي يلعبه داخلياً وخارجياً.