يحكى أنه كان هناك بلد قوي بجيشه شامخ بتاريخه، كان يوما حائط العرب الاول والاخير لأي تغلغل ايراني فى المنطقة، ولكن أوعز له الاميركي بأحتلال الكويت، بعد حرب شرسة مع ايران استنزفته لثمانية اعوام، فلم يتردد صدام حسين فى غزو الشقيقة الكويت فى مشهد كارثي على الامة، وحينها ذهب الاميركي (الذى أمر الخليجي بدعم صدام ضد ايران من قبل) لدول الخليج مرة أخرى طالبا الدعم المالي للتخلص من صدام (أو بالادق تدمير العراق او مملكة بابل كما كان يطالب الاعلام العبري وقتها) وقد كان الامر، وبعد سقوط بغداد لم يكن امام الخليجي الذى مول عملية تدمير بابل الا الاكتفاء بمشاهدة ما يحدث بالعراق على شاشة اسرائيل الاولى للعرب قناة الجزيرة القطرية، التى شيدت على اساس نظرية استاذ الاعلام الاميركى جورج فيدال، عندما قال: «ان الرأي العام مثل الاسماك التائهة فى المحيط ونحن نعطيها الضوء كي تأتى الينا»، وهى النظرية التى استوحى منها شمعون بيريز فكرتة وقال : «يجب ان ننشىء محطات تلفزيونية عربية تعمل على اقامة التطبيع كما نريده نحن، محطات عربية ولكن تتكلم بلساننا».

وبعد أن صوت برلمان حزب العدالة والتنمية التركي بفتح أوسع الابواب امام الاطلسي والاميركي على العراق عبر عشرة قواعد عسكرية للناتو والاميركي بتركيا، جاء دور تركيا السياسي، فطرح وقتها الوجه الاسلامي الجديد على الساحة العالمية، رفيق توني بلير ابن الحكومة العالمية المدلل فى الكواليس، وصاحب الاسلام الحديث ومناهض اعداء الخلافة فى العلن الا وهو الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، طرح أولى بذروه الاخوانية بالمنطقة عبر حزب الاخوان بالعراق والذى حمل أسم «الحزب الاسلامي العراقي مشروع النهضة»، ولم تدم تجربة ذلك الحزب الاخواني الفاشل أكثر من عامين حتى لحق بباقى التجارب الاسلامية السياسية الفاشلة، وانتهى الامر بالاخوان فى بلاد الرافدين بلا رجعة، وهنا وجدت ايران التى اتبعت أثناء الغزو الاميركي للعراق ما يسمى بسياسة «الحياد الايجابي» الفرصة، فكانت تتقدم ببطئ، كل يوم تكسب خطوة للامام دون أن يستشعر بها احد، الى أن أستيقظنا يوم وجدنا لطهران الكلمة الاولى فى بلاد الرافدين، وسلم الاميركي للامر الواقع، ولكن لم يستسلم للخزائن السيادية لدول الخليج.

وهنا عاد راعي البقر كي يتلاعب بأغنامه مجددا، ولمَ لا وهو يبيعهم سلاحه القديم بأسعار مضاعفة، ويحصل على النفط والغاز منهم بالمجان، وينشئ قواعد عسكرية على اراضيهم بأموالهم لا امواله، وباتت جيوش الخليج كلها فرق منتسبة للبنتاجون، فذهب الاميركي للخليج وبات يتلو على ملوك الخليج وقتها قصص تبتزهم تارة وترعبهم تارة أخرى، قصص تحكي عن العدو الفارسي الذى يتمدد فى العراق وقاب قوسين أو ادنى من أن يبتلع امراءهم الصغار الذين تنتظرهم ولاية العهد والحكم من بعدهم، حتى صار الاميركي يقص لملوك الخليج تلك القصص يوميا كما يقص الاباء لاطفالهم قبل النوم، ففزع الخليجي وسأل الاميركي وما العمل، فقال الاميركي لديكم أرقام حسابات في بنوكنا، وانا سأتكفل بالدفاع عنكم لصد ايران، ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا والخليجي يدفع كل يوم للولايات المتحدة، والاميركي يتلو عليه نفس القصص حتى تخطت قصص الاميركي قصص الف ليلة وليلة.

ويتغير الرؤساء بالبيت الابيض لكن دفع الجزية من الخليج لا يتوقف، فكان الشيىء الوحيد المشترك والمتفق عليه بين رؤوساء البيت الابيض وكافة المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة هو اللعب بالفزاعة الايرانية، الى أن اصبحت اليوم الفزاعة حقيقة مرعبة للخليجي أو السعودي أن دق التعبير، فسلطنة عمان حليف تقليدي لايران وتجري الان معها مناورة عسكرية ضخمة هي ليست الاولى، والكويت انتزع نفسه من وسط كل الخلافات الصبيانية بين الامراء، ووضع مصلحته فوق أي اعتبار، حتى صارت الكويت تتحدث صراحة عن دعمها للاتفاق النووي، وقطر امرها معروف مع ايران، واليمن صار خارج الخدمة والجغرافية والتاريخ للاسف، والامارات التى يفترض أن تكون أكثر الدول عداء لطهران، بحكم أنها الدولة الوحيدة التى تحتل ايران اراضيها (جزر طنب الكبرى، والصغرى، وابو موسى) هي أكثر الدول العربية التى لها مصالح اقتصادية وتجارية مع ايران ربما تفوق مصالحها مع اي دولة عربية اخرى، وما زالت تلك العلاقات فى النمو، وكما ان الامارات والسعودية مختلفين وغير متفقين فى اليمن، فهو نفس الامر فى سوريا، ولذلك السعودي وحده خائف وكاره لايران حقيقة وليس ادعاء، ولا يخفى على أحد أن أحد ابرز اسباب انتصار ايران فى سوريا جاء بفضل دعم السعودية للتكفيريين فيها، وبسبب خلاف السعودية مع قطر على من يجلس بالمقعد الاول فى ادارة الحرب بسوريا، وهو الامر الذى وصفه حمد بن جاسم، عندما قال: «سوريا صيدة تهاوشنا عليها وفلتت».

حقيقة الامر لو دققنا النظر سنجد أن الخليجي يخسر كل يوم ورقة هامة من اوراقه الخارجية على غرار الاردن الذى استيقظ يوما فوجد معارضته واقفة فى تل أبيب تطالب بتنحي العاهل الاردني عن الحكم، بعد ان فقد دوره الاساسي كضابط اتصال بين امراء الخليج وتل ابيب، بعد ان باتت الاتصالات بينهم مباشرة دون الحاجة لوسيط، ثم انحسار دوره فى الملف الفلسطيني الذى بات بيد جاريد كوشنر وحده، ولا احد يستطيع تغيير ما يفرضه كوشنر سوى الشعب الفلسطيني وحده، ثم اصابة غرفة «الموك» (ملتقى استخبارات الدول التى تدير الحرب فى سوريا) بالشلل، قبل ان يتخلى عن دعمه اقتصاديا السعودي، كي ينتهي بعدها دور الاردن فى الاقليم، الان الخليجي يمر بنفس الظروف أن لم يكن أسوأ، فاليوم الخليجي وجد نفسه خسر اوراقه فى لبنان بعد تصدر حزب الله وحركة امل الانتخابات وسقوط الحريري امام انصاره قبل منافسيه، ثم تونس بعد تصدر حزب النهضة (اخوان تونس)، ثم الصومال بعد أن استطاعت تركيا انهاء الدور الامارتي شبه نهائيا هناك، ثم جيبوتي على نفس المنوال، واليمن لست بحاجة لشرح ما حدث بالحديقة الخلفية للسعودية، واخيرا وليس اخرا ماليزيا بعد فوز مهاتير محمد بالانتخابات، والذى جاء أول تصريح لها منتقدا بشدة قرار ترامب بسبب نقل السفارة الاميركية للقدس، فجاءت ردة فعل الغضب عليه من ابوظبي وليس من واشنطن.

نعم ما يسمى بمحور الاعتدال فى المنطقة خسر اغلب اوراقه الخارجية وعاد لدوره الطبيعي كممول ومتفرج فقط، ولا أكثر من ذلك، وقد يكون الجزء المتبقي من المشاهدة لذلك المحور اشبه بأفلام الرعب.

فأن كان الدافع الحقيقي لاي تحرك غربي بمنطقتنا يندرج تحت مقولة «انه الاقتصاد أيها الغبي»، وهو الشعار الذى استخدمه بيل كلينتون فى حملته الانتخابية 1992م، فعند العرب سبب انتكاستنا يندرج تحت مقولة «أنه غباؤنا أيها الاميركي لا ذكاءك»، وأن بحثتم عن ملخص واف وأدق، ستجدونه فيما قاله السياسي الايراني أمير الموسوي، عندما قال: «إن السعودية تزرع ونحن الإيرانيين نحصد كما حدث من قبل في العراق».