اقلية من القوى السياسية، بخاصة التي بيدها الاكثرية في مجلس النواب الجديد، تحدثت عن ضرورة الدعوة لاعادة النظر في قانون الانتخاب في ظل ما افرزه من تداعيات سلبية على البلاد، والنظام الديموقراطي الذي يتغنى فيه الكثير من الاطراف، ولو ان اعتماد النسبية المشوهة في القانون ادى الى بعض التحسين في تمثيل قوى واحزاب سياسية معظمها ذات بنية طائفية ومذهبية.

واللافت في هذا السياق بحسب مصادر حزبية من خارج الاصطفافات الطائفية ان رئىس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان ينادي دائماً بالخروج من حالات الانقسام المذهبي الطائفي لم يبادر الى الاعلان عن رغبته بتطوير القانون، وتنقيته من «عوراته» الطائفية، كما ان رئىس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل الذي يتحدث باستمرار انه وتياره ليسوا بعيدين عن هذا التوجه، مارسوا اقصى اشكال التحشيد الطائفي خلال معاركهم الانتخابية، ولم يعلنوا عن اي رغبة بتطوير القانون.

ومن هذا المنطلق تفند المصادر الحزبية  الكثير من «العورات» والسلبيات التي تضمنها قانون الانتخابات، ولمسها كل اللبنانيين خلال تطبيق القانون، من سوء المعارك الانتخابية التي كادت ان تدخل البلاد في احداث طائفية ومذهبية لو انجرّت بعض القوى الى ما لجأ اليه البعض من اثارة الغرائز الطائفية، من تيار المستقبل الى الوزير جبران باسيل وآخرين الى كثير من الثغر الاخرى التي تورد المصادر اهمها كالآتي:

ـ لقد انتجت التقسيمات الانتخابية، من حيث تكوّن معظمها من الفئات الطائفية نفسها ومن حيث تصغيرها بما يناسب احزاب الطوائف والمذاهب، الى اثارة الغرائز المذهبية في كل الدوائر التي اعتمدت، ما ساعد اكثر من قوة ذي بعد طائفي ومذهبي في زيادة التحشيد الطائفي، لاقصاء المعارضين، فكانت اولى ضحايا هذا القانون العديد من القوى العابرة للطوائف والمذاهب، ولكل من يرفع لواء العبور بالوطن من دويلة المذاهب والاثارة العصبية، الى دولة المواطنية بعيداً عن الانتماء لهذه الطائفة او تلك.

ـ لقد افسح القانون لقوى عديدة في السلطة لاستخدام الدولة ومؤسساتها في خدمة المصالح الانتخابية لهؤلاء وهو ما اكد عليه ليس فقط اطراف عديدة من خارج السلطة، بل ان كثيراً من القوى التي تعتبر من تركيبة السلطة نفسها شكت من هذه الممارسات، كما حصل مع الرئىس نجيب ميقاتي في طرابلس وحزب الكتائب في المتن وآخرين.

ـ ان الحواصل الانتخابية التي كانت المعيار الاساس لتحديد المرشحين الفائزين في كل دائرة، اظهرت عدم وجود مساواة بين اللبنانيين، ان على مستوى الناخبين او المرشحين في الدوائر، حيث سمح القانون للمرشحين مثلاً في دائرة بيروت الاولى بالفوز بعدد قليل من الاصوات، بينما في دائرة الجنوب الثالثة احتاج المرشح الى 20 الف صوت، ما يعني ان صوت الناخب في بيروت الاولى يوازي اكثر من اصوات ثلاثة ناخبين في الجنوب الثالثة، والامر نفسه في كل الدوائر.

ـ لقد اتاح الصوت التفضيلي بتصغير معظم الدوائر الى قضاء واحد، لاستخدام المال السياسي وشراء الاصوات بصورة لم يشهد مثيلاً لها لبنان، كما ان اعتماد الصوت التفضيلي اظهر عدم صحة فوز كثير من المرشحين، فبعض النواب الجدد احتاج الى ما بين 30 و40 صوتاً تفضيلياً للفوز بينما آخرون نجحوا بمئات الاصوات، حتى ان احد الفائزين نجح بـ 77 صوتاً تفضيلياً.

وما يؤكد على «عورات» قانون الانتخاب في كل ما ثبت خلال عملية تطبيقية مجموعة واسعة الاعتراضات التي عبّرت عنها اطراف وقوى سياسية من داخل السلطة وخارجها:

ـ اولا: ما اعلنه الرئىس بري من دعوته لوضع تطوير القانون على سلم اولويات المرحلة القادمة، يضاف الى ذلك ان اي دائرة لم تخل من شكاوى وحتى عمليات تزوير حصلت في خلاله العملية الانتخابية.

ـ ثانياً: استعداد اطراف عديدة لتقديم طعون الى المجلس الدستوري لم تشهد بكثافتها في كل الانتخابات الماضية، من بيروت بدائرتيها، فهناك ست لوائح في بيروت الثانية تحضّر لتقديم الطعون، وكذلك في المتن ودائرة طرابلس ـ المنية والضنية والرئىس ميقاتي والوزير السابق فيصل كرامي، الى ما تحضره لوائح «كلنا لبنان» والمجتمع المدني من طعون في كل الدوائر التي كان لها فيها مرشحون.

ـ ثالثاً: تسجيل المنظمات الحقوقية وغيرها من الهيئات التي قامت بمراقبة العملية الانتخابية الاف التجاوزات من كل الانواع والاشكال.

من كل ذلك، تلاحظ المصادر ان كل من يعترض على تطوير قانون الانتخاب او اعتباره قانوناً عادلاً ويتناسب مع اخراج لبنان من انقساماته المذهبية والطائفية، يريد الابقاء على ما هي عليه البلاد من مزارع طائفية ومذهبية.