غادا فؤاد السمّان

في المحن تكشف الخبايا، وصولاً إلى فضح العورات أحياناً، وعورة الفساد في لبنان، على أثر الزيارة المبيّتة بعلم الإعلام والأرصاد والأشغال والبيئة والزراعة والمواصلات والكهرباء والاتّصالات وكل من لم يهبّ، ولم يدبّ، من حكومة تصريف الأعمال لتحريك ساكن تجاه الشعب المنكوب، المتضرر، اليائس، البائس، المسكين...

حتى الشوارع لم تشهد موكباً واحداً من المواكب المعتادة في مزاحمة السيارات والمارّة باستعمال مضاعف للزمور، واستعراض مستفزّ للمرافقة، تصل أحياناً حدّ استخدام السلاح، لو تردّد أحدهم في فتح الطريق أمام مسؤول بدرجة نائب، أو درجة وزير، أو حتى بدرجة سائق عند هذا أو ذاك، بل على العكس حتى الإتّصالات مع المسؤولين الذين أيضا ينتهزون بالعادة دوائر الضوء للظهور في كل شاردة وواردة، اختفت أصواتهم، وتطميناتهم، وتدخلهم بالحدّ الأدنى للمجاملة في مناسبات كهذه، بل على العكس إذ الجميع لاذ بالصمت، وبقيت الساحة الإعلامية مفتوحة للمراسلين، الذين يتقافزون من منطقة متضرّرة إلى منطقة منكوبة يتحدّون عوامل الطقس الاستثنائيّة، للقاء جماعة ساخطة هنا، وأخرى غاضبة هناك، فقدت الحد الأدنى من منطق العيش الكريم، بتوفير أقل ما يمكن توفيره من ضرورات السلامة.

لا أحد ينكر أن العاصفة «نورما» الوافدة على لبنان، قد فتحت طريقها بأسلوب همجي غاشم وشرس للغاية، لكنها ليست الأولى من نوعها، فلطالما شهد لبنان، عواصف عاتية من هذا النوع، وبصرف النظر عن حركتها المجنونة التي قاربت المئة كيلومتر سرعة في الساعة، وكان بوسعها اقتلاع ما تيسّر من شاخصات، وأشجار، وأرصفة، وكابلات كهربائية أشبه بخيوط «العنكوت» التي تنقطع كلما مرّت عاصفة قربها، لكن المشهد الأكثر مأساوية، هو عدم تأهيل فتحات الصرف الصحي، بل كان الإهمال والتراكم في النفايات ومخلفات الهدم والكسارات، التي جعلت من فتحات الصرف والمجاري العامّة، سدّادات حقيقيّة للشوارع والطرقات، والتي تحوّلت بدورها إلى أنهار وبحيرات بطول الشوارع وعرض الساحات، وأصبحت السباحة في لبنان خارج موسمها إلزامية جداً دون أن تترك سيارة أو فان أو باص أو حتى شاحنة بمنأى عن الشروع في الغرق.

الناس الذين اعتادوا اجترار الخيبة بمنتهى الألم والصبر والإبتسامة المرّة، لم يملكوا غير المناشدات عبر الشاشة الصغيرة، في الوقت الذي غفا فيه كل المسؤولين، وصحا غيرهم لمواصلة المساعي والجهود الضارية للاستيلاء على كرسي بزيادة، ووزير بالناقص.

الجنود المجهولة في هذه الخضّات المعهودة هم الذين لم يفسدوا بعد، لأنهم ببساطة لم يطالبوا يوماً بكرسي نيابي، أو وزير بحقيبة سيادية تفتح لهم المجال على غاربه للسلب والنهب والسرقات والمشاريع الوهمية، بل هم عشاق للخير، هواة للفعل، محترفون للصمت، جبارون على الصعاب، رحماء على الضعفاء، وأسخياء باللهفة والتلبية والمساعدة والمساندة والدعم لكل محتاج وكل مأزوم وكل متضرّر، يلبّون الاستغاثة ويهرعون دون تفكير لمصدر النداء دون أية التفاتة إلى أصل المشكل أو صاحبه أو منطقته أو دينه أو مذهبه أو توجهه أو سياسته، فقط الخدمة بأفضل ما بوسعهم، ودون أيّ مقابل، ولا حتى كلمة شكر، هم أبطال حقيقيون سلكوا الصعاب عبر مفترقين لا ثالث لهما سوى الإرادة والعزم والتصميم رجال «الدفاع المدني» وشباب «الصليب الأحمر» هم وحدهم الذين يعملون بجدّ وضمير وإخلاص ومحبّة، وأشهد أنا «الغريبة» على صدق تعاملهم، ونبل استجاباتهم، في بلد لا حقوق فيه لغريب مثلي، أمضى من عمره وشبابه وصحته وحيويته وشرايينه 28 سنة تكاد لا تعني شيئاً لولا هذه السطور وغيرها الكثير الكثير من النزف والنزق المتواصل الذي وثّقته معظم الصحف في لبنان، أشهد أنني حين احتجت إلى الدفاع المدني في عاصفة سابقة كادت تؤدي إلى كارثة في بيتي وجدت الدفاع المدني قاموا بأكثر من الواجب حتى دون أن يسألوني من أنت...؟ لبنانية أم سورية...؟ مسلمة أم مسيحية...؟ سنية أم شيعيّة..؟ 14 أم 8 آذار..؟ لا شيء على الإطلاق من هذا القبيل...؟ فقط عملوا اللازم وانسحبوا بخجل من امتناني الشديد، مثلهم الصليب الأحمر وربما أكثر عندما اجتاحتني «الذبحة» القلبية الأولى والثانية ونجوت بفضل الله ولهفتم حين لم أجد رقماً واحداً من بين آلاف الأرقام لأتّصل به، غير رقم الصليب الأحمر، ساعات وهم يحرصون على أدق التفاصيل لتخطّي الحالة وتسليمها للطبيب المختصّ دون أيّ استهتار أو مماطلة، بل كامل الإنضباط والوعي والأهم الأهم كامل المسؤولية، هذا الأمر الذي لم يعرفه من يحمل لقب المسؤول فعلاُ، بكلّ امتيازاته التي لا ينعم بها سواه، وصلاحياته التي لا تصلح إلا له ولذويه وحاشيته ومن لفّ لفيفه، وهذا الأمر تحديداً يختزل سرّ نجاح عناصر الدفاع المدني والصليب الأحمر حيث يعملون للجميع ولا يكترثون لألقاب أو لغنائم ولا يملكون أي شعور تجاه الأطماع والجشع المتفشّي بجميع مفاصل الدولة، هم يحملون هوّية حقيقيّة، بانتماء فعلي، وجدارة، واستقامة، جعلتهم يستنفرون ليل العاصفة «نورما» 24 /24... وحدهم من صدق في لبنان بمفهوم الـ 24 على 24، فجميع التصريحات، والعهود، ، وحتى العقود المبرمة في أهم مشروع مؤجّل اسمه «الكهرباء» الذي كلّف خزينة الدولة 60 مليار دولار حتى اليوم، 60 مليار كفيلة بإنارة بلاد الشام قاطبة وليس لبنان وحده، والسؤال الذي يفرض نفسه، ما الذي يجعل المؤسسة ناجحة أكثر بإدارتها أم بموظفيها...؟، فالكفاءة لا تنقص العامل اللبناني والضمير لم يمت لدى الموظف اللبناني، وهذا يؤكده متطوعو الدفاع المدني والصليب الأحمر، وما أجملها من صفة «متطوع» فهل الموظف «المأجور» يفقد مناعته لدى دخول السلك الوظيفي، سؤال لابد من التفكير في العثور على جوابه الصريح المباشر الواضح الشافي الكافي والمعافي لكل أمراض الدولة التي كادت أن تتحوّل إلى أوبئة حيث انتشر فيها فيروس «الفساد » لدرجة يصعب تداركها أو الإحاطة بها لمعالجتها التي تتطلّب تدخّلاً عاجلاً من حكماء وفقهاء ومنظرين وكل ما تبقّى من صالحين في هذا البلد الحزين إن وجد...؟!