ابراهيم ناصرالدين

تزامنت توصيفات رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي نعى عمليا الجهود المرتبطة بتشكيل الحكومة مع اطلاق رئيس الجمهورية ميشال عون تحذيرات بالغة الدلالة ازاء أزمة النزوح السوري التي باتت بحسب كلامه امام السفراء المعتمدين في لبنان تهدّد المجتمع اللبناني، محذرا من نوايا المجتمع الدولي لإبقاء النازحين بأماكن وجودهم وتأمين العمل لهم، معتبرا انه يخفي في طياته مخططاً لتهجير من أمكن من اللبنانيين تسهيلاً للحلول الغامضة والمشبوهة التي تلوح في الأفق»..فهل هذه التحذيرات مبنية على معلومات لدى الرئاسة الاولى؟ وهل ثمة من يهدر فرصة دولية واقليمية مؤاتية لتشكيل الحكومة؟

بحسب اوساط وزارية بارزة، لا يستند كلام الرئيس عون حول وجود خطة «لتهجير» اللبنانيين الى معلومات او «تسريبات» خارجية، وانما يأتي في اطار «الاستنتاجات» السياسية «المشروعة»، فلا مؤشرات متوافرة لدى احد من المهتمين بمتابعة الشأن اللبناني بوجود مخطط دولي او اقليمي لاحداث تغيير ديموغرافي على الساحة اللبنانية، لكن تحذيرات الرئاسة الاولى تأتي كرد فعل منطقي وواقعي على «تطنيش» المجتمع الدولي حيال معالجة ازمة النزوح السوري وربط الحل بالتسوية السياسية في سوريا، وهو «بيت القصيد» بالنسبة للدول المناوئة للنظام السوري، حيث لا يريد هؤلاء التخلي مجانا عن «ورقة» ابتزاز في خضم التواصل الحاصل الان مع دمشق، فهذه «الورقة» اضافة الى مسألة «اعادة الاعمار» هي ما تبقى لتلك الدول لتقليل خسائرها بعدما اصبحت «الحلقة الاضعف» على «رقعة الشطرنج» السورية..

وبرأي الاوساط ذاتها، يعبر رئيس الجمهورية في كلامه عن قلقه ازاء ما «يطبخ» في «الكواليس» لاعادة ترتيب المنطقة، ومن حقه ان «يتوجس» مما يخطط له الاميركيون الذين يحدثون الفوضى عند تدخلهم وعند خروجهم منها، فالتدخل الأميركي يكون في معظم الأحوال خاطىء ودونه تداعيات كارثية، لكن المفارقة التي تحدث هي أن الأميركيين كثيراً ما ينسحبون في الوقت الخطأ ايضا مخلفين وراءهم واقعاً أشد تعقيداً، كما حدث في تدخلهم الكارثي في العراق، ثم انسحابهم غير المدروس منه والذي لم يكن، بأي حال اقل كارثية، والان يثير التخبط حيال قرار الرئيس ترامب الخروج من سوريا الكثير من الاسئلة والمخاوف ازاء ما يرسم لسوريا وانعاكسه على الساحة اللبنانية...

لكن اذا كانت تحذيرات الرئيس عون تأتي في توقيت شديد الحساسية في المنطقة، فان ما يدركه جيدا، ان لبنان لا يزال خارج اهتمام «اللاعبين الكبار»، بدليل امرين اثنين، الاول ان احدا لا يبدو مهتما بتشكيل الحكومة اللبنانية من عدمه، مع العلم ان كل الافرقاء الفاعلين سبقوا وحصلوا على «الضوء الاخضر» لانتاج حكومة «وحدة وطنية» وفق التوازنات القائمة في البلاد، ولم يعترض احد لا على مفاعيل التسوية الرئاسية بين «بعبدا» «وبيت الوسط»، ولا على رغبة الحريري وحزب الله في الحفاظ على سياسة «ربط النزاع» التي تحكم علاقتهما. اما الامر الثاني فهو عدم «استجابة» اي من الدول المؤثرة لحملة التصعيد على الحدود الجنوبية والتي افتعلها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو حيث تحولت عملية «درع الشمال» الى بضاعة «فاسدة» لم تجد من «يشتريها»، في مجلس الامن وخارجه، وهذا ما اعطى دليلا جديا على عدم رغبة احد في هز الاستقرار اللبناني...

واللافت في هذا السياق، ان ما تسرب عن «اللقاء الرباعي» الذي عقد قبل بضعة اسابيع وضم رؤساء اجهزة استخبارات السعودية والاماراتية والمصرية اضافة الى رئيس الموساد الاسرائيلي، لم يتضمن اي خطة لمواجهة النفوذ الايراني في لبنان، وللمرة الاولى لم يأت احد على ذكر حزب الله، بل اقتصرت المناقشات على كيفية تقليل الحضور الايراني في سوريا ومواجهة الخطر التركي، وذلك عبر استراتيجية للتقارب مع النظام السوري من خلال اعادته الى الجامعة العربية... ويبقى السؤال عما يفعله «العهد القوي» للاستفادة من «فترة السماح» الاقليمية والدولية لمواجهة هذه «الرياح» التي تهب في محيط لبنان؟

المفارقة برأي تلك الاوساط، ان طرفي «التسوية الرئاسية» لا يقومان باستغلال الموقف الدولي والاقليمي على نحو جيد، وهما يضيعان فرصة ثمينة لتمتين الاستقرار الداخلي من خلال «المراوغة» في انتاج حكومة قادرة على مواجهة التحديات الجدية القادمة من خارج الحدود، فالرئيس المكلف سعد الحريري يمارس «الدلع» السياسي من خلال تنازله عن مهمة تشكيل الحكومة ويعتمد سياسة «التطنيش» مراهنا على اتساع الخلاف بين التيار الوطني الحر وحزب الله، وكذلك عدم وجود بديل عنه لرئاسة الحكومة، وهو الان يتحرك ضمن معادلة «لا تنازل ولا اعتذار»، ويوجه «اسهم» التعطيل تارة الى حزب الله، وتارة اخرى الى الرئاسة الاولى، شاهرا «سيف» عدم التعدي على «صلاحيات» رئيس الحكومة في وجه بعبدا، مع العلم ان كل همه الان عدم الاقرار بكسر آحدية تمثيل تيار المستقبل للسنة، وهي معركة «خاسرة» ولا تقدم او تؤخر في الاوزان السياسية الحاكمة في البلد، لانه يعلم مسبقا ان وزيرا سنيا محسوبا على حزب الله لن يشكل «رسالة» سلبية الى الخارج في ظل مشاركة الحزب بوزراء حزبيين في الحكومة... جد اي «غضاضة» في التخلي عن مسؤوليته الدستورية في تشكيل الحكومة واعطاء الدور الرئيسي فيها لوزير الخارجية جبران باسيل.

وهنا تكمن المشكلة، فرئيس تكتل «لبنان القوي» بالتكافل والتضامن مع الرئيس الحريري حلفائه «يعطلان» البلد، فاذا كان الحريري يصر على منع حزب الله من ادخال حلفائه السنة الى الحكومة، فان الوزير باسيل يخوض معركة «الثلث المعطل»، وهي «معركة» غير مفهومة حتى من قبل «الحلفاء» الذين «ضاقوا ذرعا» من عملية «التشاطر» المستمرة منذ نحو 8 اشهر،فكيف يمكن ان تكون البلاد «بخطر» محدق كالذي تحدث عنه الرئيس عون فيما يدور صراع على الحصص الوزارية على النحو الذي لا علاقة له «بالاستراتيجيا» بل «بالتكتيك» لاستعادة «ملتوية» لصلاحيات فقدت في الطائف، ومن جهة اخرى، عملية «استباقية» يقوم بها وزير الخارجية للسيطرة على «مفاتيح» الحكومة المفترض ان تدير البلاد في حال حصول «شغور» رئاسي غير محسوب؟

وفي هذا الاطار، تكشف الاوساط الوزراية عن نصائح جدية قدمها اكثر من سفير اوروبي وعربي في بيروت لرئيس الجمهورية والرئيس المكلف، للاستفادة من «الهامش» المتاح الان على الساحة اللبنانية التي ما تزال خارج نطاق «الكباش» المستمر في المنطقة، وانتاج حكومة بالمواصفات المتفاهم عليها دوليا واقليميا، وعدم تضييع الوقت «بمناكفات» داخلية غير مجدية، ومن هنا لا تجد تلك الأوساط في تحذيرات الرئيس عون اي داع «للهلع» وانما يمكن الاستفادة منها لتحفيذ كل الاطراف المعنية «بالتعطيل» للتنازل عن شروطها غير المنطقية لتسهيل تشكيل الحكومة العتيدة، وكذلك قد يفتح كلامه «الباب» امام رفع مستوى التواصل مع الدولة السورية لتعزيز عودة النازحين «وترميم» العلاقة التي شابها بعض الالتباسات بين «بعبدا» «وقصر المهاجرين» بعد سلسلة «هفوات» ارتكبها وزير الخارجية.