نبيه البرجي

حتى أن دولنا، أنظمتنا، لا تصلح أن تكون الحجارة على رقعة الشطرنج...

روبرت هنتر، السفير الأميركي السابق لدى حلف الأطلسي، وكبير الباحثين في معهد جون هوبكنز، كادت قهقهاته تطرق باب البيت الأبيض، بـ«تلك الرؤية العرجاء للناتو العربي».

قال ان الدول المعنية هي من الهشاشة السياسية، والهشاشة العسكرية، بحيث لا يمكن أن تضطلع بأي دور استراتيجي، وحتى تكتيكي، في الشرق الأوسط.

البعض يتقيأ المال كما لوأنه يتقيأ الحصى. الأردن دولة تذروها الرياح، وتقترب أكثر فأكثر من الانفجار. مصر، الدولة الكبرى، آثرت، على ما يبدو، الابتعاد عن عدوى الحرائق.

قد يذهب الى أبعد من ذلك حين يفاجأ بكلام الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي رأى أن العلاقات مع اسرائيل لم تكن، يوماً، افضل مما عليه الآن. وأثنى على ما تقوم به الطائرات الاسرائيلية في تعقب العناصر الارهابية في شبه جزيرة سيناء.

وقد يتساءل هنتر ما اذا كانت مصر، برئيسها الماريشال، وبالمليون جندي، وبمئات الطائرات، وآلاف الدبابات، بحاجة الى المؤازرة الاسرائيلية في التصدي لنحو ألف ارهابي.

هنا لسنا أمام جبال طاجكستان، ولا أمام أودية أفغانستان، بالتضاريس الميتولوجية. اننا أمام أرض رملية مسطحة، أما القرى المتناثرة فهي قليلة، وغالباً ما تكون مبنية بالقش والطين.

اذاً، ما الجدوى من الناتو العربي اذا كنا أمام منظومة عسكرية غير مؤهلة حتى للحفاظ على أمنها الداخلي، وغالبية دوله في حماية الأساطيل الأجنبية؟

في رأي روبرت هنتر أن المنطق، بالبعد الكلاسيكي، يقضي باقامة منظومة اقليمية تشارك فيها تركيا، أو ايران، أو الدولتين معاً، وان كان يلاحظ أن الدول اياها تفضل «الشراكة» مع اسرائيل.

يستدرك سريعاً ليقول ان عقدة السلطان العثماني تلعب، سيزيفياً، في رأس رجب طيب اردوغان الذي لا ينظر الى تلك الدول الا كونها ولايات عثمانية انتزعها الغرب من يد الباب العالي.

ماذا عن الايرانيين الذين يعتبرون، باللوثة الجيوبوليتيكية، أنهم على تلك الهضبة أقرب ما يكونون الى ضحايا «أرخبيل الغولاغ» (رائعة الكسندر سولجنتسين عن المعسكر الستاليني في سيبيريا). لا بد أن يكون هم موطئ قدم على الضفاف اللازوردية للمتوسط.

في رأيه أن دول المنطقة اما رهينة للايديولوجيا، او رهينة للتاريخ. هذا ما تبتغيه الولايات المتحدة من أجل ادارة تلك الجماعات البشرية التي اذ تعيش في حضرة الغيب (والغيبوبة)، تطفو فوق أوقيانوس من النفط والغاز.

غالبية الأبحاث التي تصدر في الغرب تشير الى الضبابية القاتلة التي تغطي المشهد. المشكلة لا تقتصر على تفكك (أو تصدع) العلاقات بين دول الاقليم، بصراعاتها العبثية، والخالية من أي معنى. هناك التفكك (أو التصدع) في العلاقات بين القوى الكبرى التي سبق وتولت صناعة الدول في سائر أرجاء القارة العربية.

لا دولة، على الاطلاق، تمكنت من أن تنشأ ذاتياً، وترسم حدودها. البريطانيون والفرنسيون هم من وضعوا الخرائط بالشوكة والسكين، قبل أن يرث الأميركيون الامبراطوريات الشائخة منذ قنبلة هيروشيما وقول دين أتشيسون من هنا تبدأ حقبة ما بعد التاريخ، كما لو أنه يريد القول (والوقائع تثبت ذلك) «من هنا تبدأ حقبة ما بعد... الله».

الذين كانوا وراء الانفجار في سوريا على أنه المدخل الى اعادة تركيب الخرائط، ضاعوا، وتشتتوا، داخل المتاهة السورية. لماذا لم تبادر مصر، على سبيل المثال، الى مد يد العون الى سوريا، وهي التي تعلم وقيل لي ذلك في القاهرة، أن ثمة خطة لتفكيك «الدولة الشقيقة»، دون ان تتوقف لعبة الدومينو عند الحدود السورية.

الايرانيون (الغرباء) هم من فعلوا ذلك. الذي يثير الذهول الآن أن مصر التي وافقت على تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية (هل ثمة فضيحة اشد فظاعة من هذه الفضيحة؟) هي التي بدأت بتلمس التداعيات الكارثية للأزمة السورية على بلدان المنطقة كافة.

في الأسابيع الأخيرة، كثر الحديث عن مبادرة تقوم بها القاهرة لاعادة سوريا الى الجامعة، قبل أن تكون المفاجأة المروعة بقول سامح شكري أن هذه الخطوة لن تحصل قبل بدء دمشق في اتخاذ اجراءات سياسية تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254.

لن ندخل في جدل حول «الفائض الديمقراطي» في الملكيات، والجمهوريات، العربية. لا أحد الا ويعلم من هي الأيدي الخفية، الأيدي الشريرة، التي «أرغمت» مصر (ابنة السبعة آلاف عام) على الامتثال لذلك الموقف القبلي، ومن يقف وراءه. ألا يلاحظ الرئيس السيسي كيف يلعب اردوغان بالأرض السورية ان لم نقل بمصير سوريا؟

في هذه الحال، أليست الأولوية لتفعيل بنية، ودور، الدولة السورية التي لا بد أن تشهد اصلاحات سياسية، ودستورية، قبل أي حديث آخر، الا اذا كانت تعنيه تلك المعارضات الكاريكاتورية المكدسة على أرصفة اسطنبول، أو بين عباءات البلاط؟

اذا كانت مصر قد استعانت بالطائرات، والأقمار الصناعية، الاسرائيلية لمواجهة ألف مقاتل في صحراء منبسطة، ودون أي تدخل خارجي، ماذا يقال عن سوريا التي واجهت مئات آلاف، وليس فقط عشرات آلاف، المقاتلين الذين تبنتهم كل أنواع الدول، وقد نثرت المليارات على شذاذ الآفاق الآتين من أقاصي الجحيم.

ليقل وليد المعلم، وهو السياسي، والديبلوماسي، المحنك «اننا نرفض العودة الى جامعة الدول العربية». هو الذي يعلم أن الجامعة دون سوريا هي مستودع للقهرمانات. مستودع للمومياءات...