اليان مارون ضاهر




يعيش السودان أزمات متلاحقة اجتماعية واقتصادية، ولا تزال الاحتجاجات الشعبية والتظاهرات مستمرة منذ ما يزيد عن الاسبوعين، والاسباب غير واضحة حتّى الساعة.

واندفع السودانيون الى التعبير عن غضبهم في تحركات حملت صرخة شعب يُصارع للحصول على لقمة العيش.

وفي حين تكثر التساؤلات حول هذا التوقيت بالذات، خصوصاً أنّ الشعب السوداني يُعاني منذ عقود من الفقر المدقع، تشير أصابع الاتهام الى جهات خارجية قد يكون لها مصلحة في ضرب الاستقرار المتخلخل أصلاً في السودان.

وبنظرة خاطفة على المشهد السياسي السوداني، وبالأخصّ في جانب السياسة الخارجية منه ، لا يمكن لأيّ متابع إلّا أن يقف مذهولاً أمام كلّ التتقلبات المثيرة للجدل، اقليميّاً ودوليّاً، حيث اتخذت الخرطوم سلسلة من الخطوات المتلاحقة التي تكشف عن الانتقال من تحالف لآخر في المنطقة.

أوّلاً اهتزّ العالم العربي بعدما كشفته قناة إسرائيلية عن مفاجأة متعلقة بمساعي إسرائيل لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع السودان، والتي سبق وكشفت عنها هيئة البث الإسرائيلية.

وكانت القناة العاشرة الإسرائيلية قد قالت إن لقاء سرياً جمع بين مسؤولين من الخارجية الإسرائيلية ومسؤولين سودانيين في مدينة إسطنبول التركية، بالاضافة الى تقارير عدّة قد نشرت وتضمّنت معلومات عن اقتراب السودان وإسرائيل من تطبيع العلاقات بينهما وتبادل الزيارات بين مسؤوليين من كل من الدولتين، على الرغم من استمرار الخرطوم في التأكيد على أن العداء مع إسرائيل "مستمر إلى يوم الدين".

وتجدر الاشارة الى انه، ووفقاً لتقارير إسرائيلية، لا يتم تعريف السودان في القانون الإسرائيلي كدولة معادية، أما في القانون السوداني فتُعتبر إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي لا يسمح للمواطنين السودانيين بالدخول إليها.

وهذا التناقض في مواقف دولة ما لا بدّ ان تجرف تداعياته كلّ الشعب السوداني الذي على ما يبدو تفاجأ بحدوث هذه اللقاءات كأيّ موطن عربيّ.

وثانياً، أتت زيارة البشير مؤخّراً الى سوريا والتي وُصفت بالـ " مفاجئة" والـ"مذهلة" ، وتركت مجالاً للتحليلات، ذهب بعضها إلى أن الأمر يتعلق باصطفاف جديد في الأحلاف، كما رأى السفير السابق في وزارة الخارجية السودانية صلاح محمد أحمد أن زيارة البشير لسوريا ربما تفتح الباب لتطبيع العلاقات بين دمشق وبقية العواصم العربية.

وفي سياق متّصل، قال مساعد الرئيس السوداني، فيصل حسن إبراهيم، إن "زيارة الرئيس عمر البشير لسوريا أتت مواصلة لقيادته مبادرات جمع الصف العربي".

وأضاف إبراهيم: "التدخلات الدولية والإقليمية التي تشهدها سوريا تستوجب العمل على إنهاء الصراع وتقوية الصف وتضميد جراح سوريا، ووحدة القرار والصف العربي".

وثالثاً وأخيراً، ما لا يمكن انكاره، هو أنّ وضع السودان الاقتصادي مزرٍ جدّاً، فبعض الناس لا يستطيعون إرسال أطفالهم للمدارس، وآخرون يأكلون وجبة واحدة في اليوم، وبتعبير آخر، يواجه السودان أزمة اقتصادية طاحنة. ومّما لا شكّ فيه أيضاً، أنّ وراء كلّ تظاهرة وثورة، يد خفيّة مستفيدة، وطابور خامس يُحرّض...

وما يدعو للتعجّب أنّه ورغم الموارد الضخمة، بقي السودان فقيراً حتى يومنا هذا، ولم تُحلّ مشاكله الاقتصادية، لا بل تفاقمت، خصوصاً بعد انفصال الجنوب في 2011، والذي يمتلك معظم الحقول النفطية المنتجة، والتي استثمرت فيها الحكومة أموالاً ضخمة.

كما قد تحمل التظاهرات رسائل مبطّنة من بعض الدول والجهات الاقليمية، المتضرّرة من الحراك السوداني الأخير وبالأخصّ التقارب مع المحور السوري، بهدف إجهاض أي محاولة من السودان للعب دور وازن في المنطقة، والمبادرة الى المصالحة العربيّة التي طال انتظارها.


اليان مارون ضاهر