كتب رالف جرجس 

كان لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا موجات إرتدادية، أولها إستقالة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس من منصبه على إعتبار أن خطوة ترامب لسحب الجيش الأميركي من مناطق تواجده في سوريا هي بمثابة التخلي عن الحلفاء في الحرب ضد تنظيم داعش وأولهم حلف الناتو.

أما إسرائيل الحليف الأبرز للولايات المتحدة في الشرق الأوسط فقد أبدت إمتعاضاً من الإنسحاب العسكري، فالكيان الصهيوني كان يعتبر وجود الجيش الأميركي على الأراضي السورية بمثابة دعم لوجستي مباشر لهم، وهذا ما أوضحته تغريدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قال: "سندرس الجدول الزمني لهذا القرار وأسلوب تطبيقه وبطبيعة الحال سندرس أيضا التداعيات بالنسبة لنا". وتابع: "في أي حال من الأحوال سنعمل على صون أمن إسرائيل وسندافع عن أنفسنا في هذا الساحة". وبالتالي فإن محاربة الإدارة الأميركية لداعش كان مجرد غطاء لمخطط أكبر بكثير لمنطقة الشرق الأوسط وبإعتراف إسرائيلي واضح.

في المقابل، إستقبلت تغريدة ترامب بترحيب روسي بإعتبار أن سحب القوات الأمريكية من سوريا سيفتح آفاقاً للتسوية السياسية في هذا البلد. ورأت موسكو أن الولايات المتحدة بدأت تدرك بأن معارضتها للجهود التي تبذلها الدول الضامنة لعملية أستانا (روسيا، تركيا، إيران) في سوريا تضر بالمصالح الأميركية عينها، وبالتالي فإن إستبدال التواجد العسكري بمفاوضات دبلوماسية هو الحل الأنسب لإدارة ترامب.

ولكن بالتعمق في الإرتياح الروسي نجد أن هم موسكو الأكبر هو المحافظة على مصالحها الإقتصادية والإقليمية في المنطقة إنطلاقاً من سوريا، فروسيا لم تكن لتسمح أن يشاركها أحد في تحقيق المكاسب بعد إنتهاء الأزمة السورية، نظراً للخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها طوال السنوات الخمس الفائتة، وبالتالي الإنسحاب الأميركي قد وفر على الروس مواجهة سياسية/ عسكرية إضافية على الأراضي السورية في حرب تقاسم النفوذ.

أما في الجانب الإيراني، فقد أبدت طهران إرتياحاً للقرار بإعتبار أن إنتشار الجيش الأميركي في سوريا كان منذ البداية عمل كاذب وغير عقلاني ومجهد، وأن الوجود الأميركي في سوريا كان دائمًا أحد الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار وعدم الأمن في المنطقة. إلا أن الرؤية الإستراتجية لمنطقة الشرق الأوسط تفيد إلى أن الإرتياح الإيراني يعود في الأصل إلى إنحصار النفوذ الخليجي في المنطقة، فالإنسحاب الأميركي وضع الدول العربية أمام خيار واحد لا ثاني له وهو المضي في القرار السياسي في الشأن السوري، وهذا ما يفسر تهافت البلدان الخليجية على إعادة فتح سفاراتها في دمشق، وهي التي كانت في وقت سابق تدعو لإزاحة الرئيس السوري بشار الأسد عن سدة الرئاسة، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية التي كانت وماتزال تقاتل بهدف منع إقامة قواعد وقوات إيرانية في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تكون الخاسرة الأكبر من الانسحاب الأميركي من سوريا.

على الصعيد التركي، سيكون لأنقرة نصيب من نتائج الانسحاب الأميركي، من خلال تعزيز تواجدها في شمال شرقي سوريا، بالقرب من حدودها الجنوبية مع سوريا، شرط أن يتمكن الجيش التركي من القضاء على "قوات سوريا الديمقراطية"، وهذا ما يفسر تصريح أردوغان الغاضب بشأن رغبة واشنطن في الحصول على ضمانات من أنقرة بشأن مهاجمة "قوات سوريا الديمقراطية"، فمطامع تركيا مرتبطة بإزدياد قوتها في منطقة تواجد الأكراد.

من جانبهم يراقب الأكراد الوضع الميداني عن كثب، وهم الذين اعتادوا على تلقي دعم جوي أميركي، فإنهم سيجدون أنفسهم في مشكلة أمنية كبيرة، خاصة إذا ما زادت تركيا من قواتها في تلك المناطق، على الرغم من تطمينات وزير الخارجية الأميركي "مايك بومبيو" الذي كشف نهار الإثنين أن الولايات المتحدة الأميركية قد تلقت وعوداً من أنقرة بشأن عدم التعرض للمقاتلين الأكراد في سوريا.