نبيه البرجي

هل حقاً أن أميركا تتوجس من الطعنة الاسرائيلية في الظهر؟!

حتى الآن، لا تزال «عقدة روزنبرغ» تلاحق أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة. الزوجان النيويوركيان اليهوديان جوليوس وايتيل روزنبرغ زوّدا جوزف ستالين بأسرار القنبلة الذرية التي نقلت الاتحاد السوفياتي من «دولة ريفية» الى أمبراطورية تواجه، على قدم وساق، الأمبراطورية الأميركية.

الاثنان اعتقلا عام 1950. وبالرغم من الضغوط التي مارستها المؤسسة اليهودية على ضفتي الأطلسي، تم تنفيذ حكم الاعدام بهما عام 1953.

عام 1986 حكم على محلل المعلومات الأميركي جوناثان بولارد بالسجن مدى الحياة لاعترافه بالتجسس لحساب اسرائيل التي نفت ذلك، قبل أن تمنحه جنسيتها عام 2008 بعدما أمضى ثلاثين عاماً وراء القضبان.

لا يعرف لماذا تكتم الأميركيون عام 1979 حين سرّب صمويل كوهين تصميم القنبلة النيترونية التي تقتل الكائنات البشرية (والحية) فقط، الى اسرائيل قبل أن تصل الى الرئيس جيمي كارتر.

في ضوء كل هذا يمكن تبيّن خلفيات اهتمام الولايات المتحدة بنمو العلاقات بين تل أبيب وبيكين. هذه المسألةبحثها، بـ«نبرة عالية»، جون بولتون مع بنيامين نتنياهو. مستشار الأمن القومي الذي يشارك أجهزة الاستخبارات هواجسها، أبدى تخوفه من أن يتسلل التنين الى عمق المشاريع التكنولوجية الاسرائيلية.

هذه المشاريع في منتهى الحساسية. المختبرات والمصانع الاسرائيلية تنتج معدات تكنولوجية، والكترونية، فائقة الدقة، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، وذات المهمات الخارقة (DRONES)، التي تدخل فيها تقنيات اميركية حساسة. كما أن الأميركيين يتوجسون من انتقال اسرار طائرة «ف ـ 35» (الشبح) الى الصينيين.

نشير هنا الى أن رونالد ريغان أطلق برنامج «حرب النجوم» الذي لحظ اقامة منصات فضائية بامكانها تدمير أي صاروخ عابر للقارات، ومن أي مكان في الكرة الارضية، بأشعة اللايزر أو بالجزيئيات الالكترونية في مدة تتراوح بين السبع والثماني ثوان.

للتو، وفي صيف 1981 ظهر المدير التنفيذي للبرنامج الجنرال جيمس ابرامسون يوقع اتفاقية مع اسرائيل للمشاركة في تصنيع بعض المعدات الالكترونية للبرنامج.

أسرار تكنولوجية أميركية هائلة بين يدي الاسرائيليين الذين يعتقدون أنه مع حلول منتصف القرن، يمكن أن يحل الصينيون محل الأميركيين في الشرق الأوسط. هذا مع اعتبار أن أهم غزاة، وقادة، المنطقة، هبطوا من «الجدران الآسيوية».

جاذبية المال (وأمامنا ظاهرة العجل الذهبي) هي التي تستوطن اللاوعي اليهودي. باستطاعة الصينيين الذي يفتحون أسواقهم أمام المنتجات الاسرائيلية، ناهيك عن توظيف الاستثمارات في مشاريع عملاقة، أن يشتروا التكنولوجيا التي في اسرائيل، بما في ذلك التكنولوجيا الأميركية.

هذا ما يبعث القلق في البنتاغون، وفي الـ«سي.آي. اي».

بولتون اثار المسألة من زاوية أن الصينيين خططوا لاختراق الشرق الأوسط عبر «البوابة المستحيلة»، أو «البوابة المحرمة»، حتى اذا ما تمكنوا من الوصول الى البنية التكنولوجية، هددوا المصالح الاستراتيجية الأميركية على امتداد الباسيفيك.

الاسرائيليون الذي يدركون مدى حاجة دونالد ترامب الى اللوبي اليهودي، لا يكفيهم اعترافه بالسيادة الاسرائيلية على مرتفعات الجولان كسقف صخري للدولة. واذ تعثر مسار صفقة القرن، ترى تل أبيب أن تبادر المملكة العربية السعودية، في الأقرب الممكن، الى الاعتراف العلني باسرائيل، وارساء قواعد للتطبيع، لا سيما في المجال الاستراتيجي، لقاء تعهد أميركي بتأمين الحماية للعرش لمدة يتم تحديدها لاحقاً.

في رأي نتنياهو أن معاهدة تحالفية مع السعودية تتقاطع مع معاهدة السلام المبرمة مع مصر، انما تدفع الشرق الأوسط نحو مسار آخر. لا مجال أمام البلدان العربية المتبقية الا الصعود التلقائي الى القطار. تالياً، عودة الايرانيين الى الهضبة الفارسية.

الأميركيون يتريثون. معلوماتهم تتحدث عن تفاعلات بنيوية خطيرة داخل المملكة. العقود الطويلة من التعليب الايديولوجي المعقد، والمغلق، انتجت حالات يمكن ان تنفجر عند اي مفترق.

اللافت هنا أن المؤسسة الرسمية السعودية اذ استقبلت، جون ترافولتا، نجم الروك اند رول، وقد تستقبل غداً الليدي غاغا، قابلتها المؤسسة الاجتماعية التي اعترضت على نزول الفنانة أحلام من الطائرة الخاصة دون العباءة السوداء والحجاب.

الأميركيون يعتبرون أن الأمير محمد بن سلمان الذي يواجه سلسلة من العواصف، وربما سلسلة من الزلازل، يعاني من «مأزق النموذج». حاول التمثل بالنموذج الصيني حيث التوأمة السيامية بين الايديولوجي والاستراتيجي. الفارق هائل بين الصينيين الذين كانوا يزودون الممالك الأوروبية بالمعدات التكنولوجية قبل عصر النهضة، والسعوديين بالبنية القبلية والغيبية.

ما يتسرب من مراكز الأبحاث الاسرائيلية أن القيادة هناك بدأت تدرك أن تقنية الصواريخ قد تقلب المشهد العسكري، في يوم من الأيام، رأساً على عقب. اذاً، الالتفاف على الاحتمالات باختراق العمق العربي. هذا ما يبتغيه بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.

وليكتب المعلقون الأميركيون عن «ليلة التنين في اسرائيل». الصينيون قادمون!!