من منا لا يذكر الإتفاقية السرية بين الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس التي قسمت منطقة الهلال الخصيب بين الطرفين على أساس المصالح المشتركة والسيطرة على المرافئ.

واليوم بات من القريب جدا أن يعود السيناريو نفسه وتقسّم الدول ذات النزاعات الداخلية كسوريا، اليمن وليبيا بين أعظم قوتين في العالم روسيا والولايات المتحدة، طامحةً كل منهما وضع يدها على الموارد الطبيعية، وطبعاً عدم تناسي إعادة إعمار المنطقة وبالأخص سوريا التي ستضخ البلايين من الأرباح للشركات الأجنبية كذلك المرافئ السورية والليبية على البحر الأبيض المتوسط وطبعاً مضيق باب المندب اليمني.


بعيدا عن أسباب النزاعات في الشرق الأوسط ومن يقف وراءها والنعرات الطائفية والمذهبية، ومن يدعم «داعش» حقيقةً، ومن يؤيد من الأطراف المتنازعة في اليمن وليبيا، ويجب اولاً الاضاءة على ما تملكه هذه الدول من مصادر وإيرادات مالية تسعى الدول الكبرى إلى إستغلالها.
فمنذ التاريخ وحتى اليوم  لطالما كان أحد الأسباب الرئيسية التي تقف وراء الغزوات هو ما تملكه البلدان او القبائل المغزوة من موارد غذائية في السابق حباً بالبقاء ومع الوقت الموارد المنتجة التي تضخ أموالا وذهبا وأرباحا تزيد من قوة وسلطة الدولة الغازية وتصقل هيمنتها. فالقوة بأكملها، العسكرية منها والمعلوماتية والثقافية وغيرها، قائمة على قوة الإقتصاد والأموال.
قد يظن البعض أن سوريا هي من أولويات الدول الأجنبية، لكن في الحقيقة جميع البلدان العربية أعلاه لديها ذات الأهمية والمنفعة الإقتصادية.

 أولاً: اليمن


لماذا اليمن؟ ولماذا تضع الولايات المتحدة الملايين وثقلها في حربه المنسية؟ قد يأخذ الجواب ساعات مطولة من الشرح والأسباب الكثيرة عما يملكه اليمن من موارد ناهيك عن موقعه الاستراتيجي، يمثل اليمن البوابة الجنوبية لمدخل البحر الأحمر ويشرف على ممر باب المندب الذي يصله بالمحيط الهندي، أي يتحكم بالملاحة البحرية من البحر المتوسط والمؤدية إلى آسيا، ويمر يومياً عبره 3،4 ملايين برميل نفط كما يضخ ملايين الدولارات، فيمر عبره أكثر من 57 قطعة بحرية يومياً، مما جعل الدول الكبرى تتمركز قربه وتبني قواعد عسكرية.
واليمن يعد عمقاً وامتداداً أمنياً وسياسياً لدول الخليج وأي توتر أمني وعدم استقرار في اليمن يؤثر بالضرورة في أمن واستقرار دول الخليج.
وقد نشر موقع ويكيليكس عام 2008 برقية سرية للسفير الأميركي السابق لدى اليمن ستيفن سيش جاء فيها: إن محافظات شبوة ومأرب والجوف لديها احتياطات من الغاز بكميات كبيرة، أما بالنسبة للنفط فوفقاً لمسح جيولوجي مفصل لشركة (يو إس جي إس) يمتلك اليمن خزانات نفطية بحرية ضخمة، ما يبين أن احتياطات النفط غير المستغلة في اليمن هي أكبر من الاحتياطيات المشتركة لدول الخليج الغنية بالنفط مجتمعة.
ولهذا يمكن التأكيد أن هذه البرقية كفيلة بتوضيح السبب الرئيسي لقصف أميركا اليمن تحت شعار مساعدت شعبها فهي تعي منذ زمن طويل أهمية اليمن وما يختزنه من إحتياطات.

 ثانيا: سوريا


يشرح المحلل الإقتصادي مازن إرشيد أهمية سوريا بالنسبة لروسيا بدأ من موقعها الجيوسياسي الذي له اهمية بالغة على الجانب الاقتصادي الروسي،  ويبدأ  إرشيد من ميناء طرطوس، موضحاً دور الميناء الكبير مستقبلا في عملية شحن الغاز الى القارات الثلاث، افريقيا، اسيا واوروبا، ويشرح: كما هو معلوم، تم استكشاف حقول غاز غنية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط تستفيد منه حاليا لبنان والعدو الصهيوني وبنسبة اقل كل من قطاع غزة وسوريا. هذه الاستكشافات هي بكميات تقدر بمئات البلايين من الامتار المكعبة من الغاز الطبيعي. روسيا تحديدا تحاول جاهدة عدم التفريط بسوريا وميناء طرطوس الحيوي الذي من خلاله ستستفيد في نقل الغاز الى القارات الثلاث بعد استخراجه قبالة السواحل السورية عبر شركات غاز روسية عملاقة، وهي التي تمتلك خبرات هائلة في هذا القطاع.
ويزيد إرشيد قائلا: روسيا حاليا اكبر منتج للنفط والغاز في العالم ولكن موقعها الجغرافي يقيد تصدير انتاجها بسلاسة الى مناطق ابعد من اسيا وشرق اوروبا وتركيا. السيطرة على حقول الغاز في سوريا سيكون له الاثر الإيجابي بعيد الامد على الاقتصاد الروسي وستعمل على تعزيز قطاع الغاز الروسي من خلال الدخول الى اسواق غير تقليدية للغاز وبكلفة اقل.
ويؤكد إرشيد أن روسيا ليست على إستعداد للتفريط بسوريا على غرار تفريطها بالعراق، فغالبية شركات التنقيب على النفط في العراق هي لشركات اميركية واوروبية، ولذلك ستعمل روسيا المستحيل لابقاء سوريا تحت سيطرتها تماما كما اصبحت العراق تحت سيطرة شركات غربية واميركية. ولا يمكن تجاهل اهمية سوريا بالنسبة الى روسيا كملاذ مهم لاستثماراتها والتي قد تشمل ايضا استثمارات في الطاقة المتجددة والمواد الغذائية والقطاع المالي وغير ذلك من قطاعات. وهنا يجب إظهار اهمية موقع سوريا الجيوسياسي ايضا كقاعدة عسكرية لها في ظل وجود قواعد اميركية عسكرية على اكثر من موقع في منطقة الشرق الاوسط.
في سياق متصل، أفاد إرشيد أن روسيا ستعمل على انعاش اقتصادها المنهك من خلال اعادة اعمار سوريا، ولا سيما قطاع الاستخراجات والانشاءات من حديد وصلب واسمنت الذي تعرض الى نكسة في ضوء فرض الغرب عقوبات اقتصادية قاسية نتيجة الموقف الروسي من أوكرانيا وضمها للقرم. كذلك اعادة اعمار سوريا سيعمل على تدفق استثمارات هائلة من روسيا من خلال القطاع الخاص وقد يبقي هذه الاموال والاستثمارات لما بعد الانتهاء من اعادة الاعمار.
ونهي إرشيد أن الجانب الاميركي والغربي غير قادر على زعزعة الموقف الروسي من سوريا، وهم بلا شك يعلمون جيدا ماذا تعني سوريا بالنسبة الى روسيا وسر تمسك روسيا بهذا الموقف المتصلب بعد مرور ست سنوات من الحرب الاهلية في سوريا.

 ثالثا: ليبيا


الوضع في ليبيا مختلف عن الوضع السوري واليمني، فالأزمة سياسية أكثر منها عسكرية، حيث تسعى أربع منظمات متناحرة للسيطرة على الحكم. لكن من منا نسي ما قالته كلينتون عند موت القذافي: « أتينا، رأينا، مات». هذه الجملة كشفت المخطط الأميركي في ليبيا بقتل القذافي وإسقاط النظام كي تعم الفوضى فيأتي العسكر الأميركي المخلص ليحمي الشعب المظلوم. ولكن اليوم وبعد التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وتراجع إهتمام الولايات المتحدة في ليبيا ونتائج البريكست التي قضت بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي يبرز السؤال الأكبر: هل ليبيا هي الورقة الرابحة التي تُسكت بها أميركا بريطانيا؟ فتلك الأخيرة بحاجة إلى منفذ تمر عبره إلى أفريقيا كي تعزز إقتصادها بتصدير مواردها وبضاعتها إلى دول أفريقية خاصة أن الأبواب ستُغلق بوجهها في أوروبا؟ كما أن سيطرت الولايات المتحدة على باب المندب سيسهل مرور البضاعة البريطانية إلى آسيا والصين، لربما بكلفة أقل؟
وطبعاً علينا ألا ننسى المخزون الليبي من النفط والغاز.
في الحروب السابقة، وبالأخص الحرب العالمية الأولى والثانية، دمرت الدول الكبرى نفسها فحتى لو إنتصرت، لقد خسرت بالمقابل أموالا هائلة وموارد بشرية ومعدات عسكرية... لذلك برزت من بعد الحرب الباردة الحروب الإستراتيجية بحيث تُبعد الدول الكبرى نفسها عن الحرب المباشرة وتُدخِل شعوب العالم الثالث بنزاعات داخلية بغيت السيطرة على مقدراتها. في سايكس بيكو، فرنسا وبريطانيا كانتا حليفتين وتقاسمتا الغنيمة، لكن اليوم روسيا وأميركا «ظاهريا» عدوتان تتسابقان في السيطرة والهيمنة على العالم، لكن هل بالمصالح يتصالح «الأعداء»؟