يعيش الأردن مخاض صعب، يعيد تشكيل حساباته في خوض صداقات وتحالفات خارجية جديدة، ربما تستطيع نقله إلى واقع أقل صدامية مع الشارع الملتهب، بزيادة الأسعار، وانخفاض مستوى الدخل، وتصاعد الأعباء الاقتصادية، بما لا يمكن تحمله، ولاسيما أن ما قدُم على مدار الأعوام السابقة، من الحلفاء القدامى، لم يفلح في مساعدة عمان على تجاوز الواقع الصعب، وأصبحت المواجهة والاعتماد على الذات هو الحل، ولكن على من يعتمد، وكيف ؟

المستقبل في أنقرة

يعلم الأردن أنه يعيش في منطقة مزدحمة بالأزمات، والأشقاء الخليجيون في أغلبهم لايحبذون إلا منطق التبعية المطلقة قبل المساندة المفتوحة، ومع بلد يضع تاريخه العريق وشيم الكرامة والاعتزاز بالذات على طاولة المفاوضات، لن يكون أمامه إلا السعي إلى دول وكيانات لها نفس المنطق والأبعاد التاريخية والحضارية، وتعرف جيدًا كيف تتعامل مع أسد جريح.

في نهاية ديسمير الماضي، اتضحت ملامح خريطة التحالفات الجديدة للأردن، بعد زيارة قام بها رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز إلى تركيا، لإعادة الأمور إلى نصابها مع حليف استراتيجي هام في المنطقة، وإيجاد منافذ اقتصادية جديدة بين البلدين، وفي الخلفية تصحيح موقف الأردن الذي اتخذه تحت الضغوط في ذروة الصراع الخليجي التركي، وأوقف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، بزعم عدم جدواها الاقتصادية.

العلاقات التركية الأردنية.. ما الذي تحمله زيارة الرزاز لأنقرة؟

كانت سلسلة قرارات غير متوقعة من أمريكا، ومحاولاتها ترجيح كفة "إسرائيل" في المنطقة، ونزع القدس من هويتها، من أهم المعطيات لدولة مثل الأردن، بدورها التاريخي في فلسطين، ورمزية كل منهما للآخر، للإسراع في إعادة علاقاتها مع تركيا، وكان لافتا تطابق المواقف بين الملك عبد الله الثاني، والرئيس أردوغان، والحفاوة التي تعامل بها الأخير مع نظيره الأردني في قمة أسطنبول حول القدس، والتي أنعقدت في أوج الخلاف التركي الخليجي نهاية عام 2017، وأثارت غضب حلفاء الأردن، ليس فقط من مجرد مشاركة «عبد الله» في إنجاح فعالية تتزعم فيها تركيا الدفاع عن الكبرياء الإسلامي، بل ولإقرار تركيا العلني بالولاية الدينية للأردن وللملك عبد الله نفسه على المقدسات الإسلامية.

وتشير مستوى الزيارات بين البلدين منذ قمة اسطنبول، إلى تطلع كل منهما لتعزيز التعاون في جميع المجالات، ولاسيما الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، وإحياء الحلم القديم بتحويل ميناء العقبة الأردني، إلى أهم مركز للصادرات التركية إلى أفريقيا، وهو مشروع كفيل بدفع الاقتصاد المحلي، وتحريك التجارة الداخلية، وتعزيز استقلالية الأردن، وحقه في البحث عن مصالحه، سواء بتغيير خريطة تحالفاته، أو بإعادة رسم علاقاته الخارجية، والتخلص من سياسة المحاور القائمة، في ظل تقلص المعونات من الجميع، بما يرجح الخيار التركي والعراقي

الأردن وسياسات ما بعد الربيع العربي

نجى الملك عبد الله الثاني، من رياح الربيع العربي، حافظ على استقرار النظام والمجتمع، أثناء اشتعال الانتفاضات العربية، ورسخ النظام الملكي وثبت جذوره، ولكنه في المقابل لم يستطع التعافي من أزماته الاقتصادية، التي تفجرت خلال السنوات الماضية، وأثارت غضب الشارع، بسبب السير مُعصب العينيين خلف ضوابط خطط صندوق النقد الدولي للتقشف دون مراعاة للفوارق الاجتماعية، أثناء محاولة تنظيم البيت من الداخل، وتبريد أثار التكاليف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الإضافية، التي طالته من جراء استضافة مئات الآلاف من الشعب السوري.

طوال تلك السنوات، حافظ الأردن على علاقاته الوثيقة بالولايات المتحدة، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، وكذلك حافظ بشكل جاد على معاهدة السلام مع "إسرائيل" ليبقى طرفا أصيلا ومحوريا في صناعة القرار العربي

كانت الرؤية الأردنية خلال السنوات الثلاث الأولى من الربيع العربي ضبابية تماما، اقتصاد يزداد سوءًا، وإصلاح سياسي غير مكتمل ومتنازع عليه، فتغير على البلاد 5 رؤساء وزراء، و6 حكومات، واكبها الاستجابة للكثير من الرؤى الإصلاحية، بداية من تعديل للدستور، وتدشين محكمة دستورية في البلاد لمراجعة القوانين الانتخابية ومنح الأحزاب حرية سياسية أوسع، نهاية بتنظيم جولة انتخابية جديدة للبرلمان والمحليات.

طوال تلك السنوات، حافظ الأردن على علاقاته الوثيقة بالولايات المتحدة، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، وكذلك حافظ بشكل جاد على معاهدة السلام مع "إسرائيل" ليبقى طرفا أصيلا ومحوريا في صناعة القرار العربي، وفي الوقت نفسه، حافظ أيضا على العلاقات مع إيران، في الوقت الذي طور علاقاته مع مصر، وكان من الدول القليلة التي استطاعت الاستجابة للتحديات السياسية في القاهرة، وتغير بنية الحكم فيها لأكثر من مرة بعد ثورة 25 يناير.

حاول الأردن كثيرًا الانضمام إلى معقل الملكية العربية «مجلس التعاون الخليجي» وفشل؛ وضعت المخاوف الاقتصادية والأمنية المتعلقة بسوريا والعراق وإيران، الملكيات العربية في مركب واحد، لذا تعامل الأردنيون مع عرض خليجي لضمهم إليه بجدية وشديدة، إلا أن تغير المواقف السياسية، والخلافات بين دول المجلس، بجانب روح الاستعلاء الخليجي، والتعامل مع الأردن من منطق الإحسان لا الشراكة، أثبت أن العرض كان لحظة فارقة ودُفع تحديدا من السعودية خلال تأملات الخوف فيما يحدث، والرغبة المفاجئة في توحيد الممالك العربية ضد طوفان المجهول، حتى تبددت الفكرة تماما بعودة الاستقرار إلى المنطقة.

ولم يكن مجس التعاون هو الأزمة الوحيدة بين الأردن والخليح، وإنما عزز الخلاف بين الطرفين، رفض الأردنيين دفع الخليج سوريا إلى مستنقع الحرب الأهلية وطالبوا دائما بالتسوية التفاوضية والتحول التدريجي، واعتبروهما الأفضل للسوريين وجيرانهم، وحذروا من بداية الأزمة من نشوب حرب أهلية قد تحول سوريا إلى أفغانستان جديد، وعزز المخاوف الأردنية نزوج السوريين عبر الحدود إلى المملكة، وبلغت أرقام الوافدين في 2013، أكثر من 600 ألف سوري، لدرجة أن مخيم الزعتري اعتبر رابع أكبر «مدينة» في الأردن.

تتحد مواقف الأردن والكويت في قضية القدس وكذلك صفقة القرن، وتثمن بمبادرة الكويت تقريب وجهات النظر مع قطر، وما سرع من وتيرة العمل بين عمان والدوحة، المنحة القطرية لتوظيف 10 الاف أردني في قطر، بجانب منحة مالية بلغت «500 مليون دولار»

تخوف الأردنيون من تصاعد التشدد الإسلامي في سوريا، وتسريب جهاديين إلى المملكة، بما قد يدمر سمعة بلاد معروف عنها الاعتدال والوسطية، وهو ما رشحها لعضوية مجلس الأمن في 2013، بعد رفض السعودية قبول انتخابها، احتجاجا من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، على عدم فعالية المنظمة العالمية، وبالفعل انتخب الأردن عضوا بمجلس الأمن، في الفترة ما بين 2014 إلى 2016.

الأردن والخليج .. مد وجزر طوال العام

يعيش الأردن مع الخليج علاقات مد وجذر دائما، حاليا الصداقة مكتملة وفي أفضل أحوالها مع الكويت، التي تعيش طفرة في علاقتها السياسية والدبلوماسية مع المنطقة بفضل سياسات حكيمة، تمزج بين الحفاظ على الثوابت العربية، والجرأة في نقد المواقف المسيئة للحمة العربية، يواكب هذه العلاقة بين الكويت والأردن، جمود في العلاقة مع السعودية، وعلاقة على نفس الوزن مع الإمارات، بجانب توطيد لعلاقتها سرا مع قطر، مع اظهار أقل قدر منها للعلن.

وتتحد مواقف الأردن والكويت في قضية القدس وكذلك صفقة القرن، وتثمن بمبادرة الكويت تقريب وجهات النظر مع قطر، وما سرع من وتيرة العمل بين عمان والدوحة، المنحة القطرية لتوظيف 10 الاف أردني في قطر، بجانب منحة مالية بلغت «500 مليون دولار» وعلى الفور وضع تصورا برجماتيا للتعاون بين البلدين، وزار عمان وزير الخارجية القطري، كما زار الدوحة، وزيرين أردنيين على التوالي، هما وزير العمل سمير مراد، ثم وزير الاستثمار مهند شحادة.

وتحاول قطر بإيعاز من الكويت، إزالة المرارة القديمة من أفواه الأردنين، بسبب عدم التزامها قبل 8 سنوات، بسداد حصتها من منحة خليجية للأردن، أقرها مجلس التعاون الخليجي عام 2011، بلغت مليار وربع من أصل 5 مليار دولار، تقاسمتها قطر مع السعودية والكويت والامارات، وفهم الأردنيون وقتها أن قطر تتلاعب بهم، بسبب ضمانها صعود أصدقائها في جماعة الإخوان لسدة الحكم في مصر، بما يغنيها عن مجلس التعاون وتوازناته التي لاتوافق عليها بالضرورة.

بين الأردن والإمارات لازالت العلاقة متباينة؛ فهناك فارق كبير بين سياسة «دبي» الداعمة للملك عبد الله، ممثلة في محمد بن راشد، و«أبو ظبي» ممثلة في محمد بن زايد وعلاقته الفاترة بالملك الأردني، لذا لم يحضر مؤتمر مكة لدعم عمان، في الوقت الذي فضل فيه دعم أثيوبيا بـ«3 مليارات دولار» بعد المؤتمر بثلاثة أيام فقط، ما أثار زوبعة كبرى في الأردن واعتبروا موقفه رفض للمنحة بالأساس.

تحديات الموازنة في الأردن بعد وقف منحة الخليج

فيما تتسم العلاقات بين السعودية والأردن بالغموض وعدم الثقة بين الطرفين، بسبب تعامل الرياض مع عمان بمنطق أبوي، ومحاولتها السيطرة على قرارها السياسي، وتطويعها بأي شكل في الحرب اليمنية، وكذلك إجبارها على اتخاذ موقف مناهض لقطر في الأزمة الخليجية، عبر سياسة «لي الذراع» بداية من إنقاص المساعدات، وتجاهل الأردن في استثمارات مشروع نيوم، ما خلف شبه اجماع في الأوساط السياسية الأردنية، على أن السياسات السعودية الأشد ضرراً على عمان، بما يجبرها على ضرورة تغيير تحالفاتها التقليدية، والدفاع عن مصالحها كما يحلو لها.

أحمد فوزي سالم – نون بوست