وسط التشنّجات والخلافات السياسية على القانون الجديد الذي ستجري الانتخابات النيابية على أساسه، انطلاقاً من تأكيد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على ضرورة التوافق على قانون جديد إذ لا عودة الى قانون الستين، تحاول الحكومة الإستفادة من الوقت الضائع بدراسة ملفات عدّة تفاقم الجمود الإقتصادي الحاصل في البلد ولا سيما منها أزمة النزوح السوري الكثيف التي تُكبّد لبنان أعباء هائلة تفوق إمكاناته الحالية، وتصل كلفتها الى 15 مليار دولار، بحسب تقرير اللجنة الوزارية الأخير.
فاستحداث وزارة دولة لشؤون النازحين في حكومة الرئيس سعد الحريري، على ما تقول أوساط سياسية مطلعة، إنّما كان الهدف منها متابعة ملف هؤلاء النازحين بعد أن تخطّى عددهم المليون ونصف مليون نازح سوري (وفلسطيني من مخيم اليرموك في دمشق)، من دون أن تُقدّم مساعدات الدول المانحة التي بلغت المليارات أي دفع للبنان الى الأمام. واقتصرت هذه المساعدات على المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي عجزت في الآونة الأخيرة عن إيفاء كلّ اللاجئين المسجّلين لديها حقوقهم لأسباب عدّة، منها ما يتعلّق بعدم استحقاق البعض هذه المساعدات المالية، أو بقيام المنظمة الدولية بتقليصها لعدم حصولها على المبالغ التي وعدت الدول المانحة بتسديدها وما الى ذلك.
ولأنّ لبنان يتحمّل بمفرده مسؤولية عزمه الإنساني على استضافة هؤلاء النازحين، قامت اللجنة الوزارية التي تمّ تكليفها ملف النازحين السوريين خلال الإجتماع الذي عقده الرئيس الحريري معها أخيراً، بإقرار خطة عمل الوزارة لمواجهة هذا الملف. علماً أنّ الحكومة السابقة كانت وضعت خطة عمل شاملة لتقليص عدد النازحين في لبنان، إلاّ أنّها لم تطبّق بنودها بحذافيرها. كما أنّ وزير العمل السابق سجعان قزّي اقترح قبل استقالة الحكومة بنحو شهر خطة تنفيذية مع روزنامة لعودة النازحين السوريين (وضعتها اللجنة الوزارية لشؤون النازحين آنذاك)، انطلاقاً من فكرة أنّ «زمن التكيّف مع مطالب المجتمع الدولي ومشاريعه انتهى، وحان وقت أن يتكيّف المجتمع الدولي مع مطالب لبنان ومشاريعه».
ولا حاجة هنا، على ما أضافت، الاوساط، للتذكير بما سبق وأن اقترحه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لمناقشته في اجتماع نيويورك (في أيلول الماضي) «حول التحرّكات الكبيرة للاجئين والمهاجرين»، عن توطين وتجنيس النازحين في لبنان والدول المضيفة لهم في المنطقة (بالطبع من دون تسمية هذه الدول). الأمر الذي استدعى استنفار مجلس الوزراء واتخاذه موقفاً رسمياً جامعاً يرفض هذا الإقتراح. كما سارعت الأمم المتحدة الى النفي نفياً قاطعاً أي اتجاه لديها على تجنيس النازحين السوريين أو توطينهم في لبنان.
رغم ذلك فإنّ سفراء أجانب في لبنان وموفدين من الخارج لدى طرح موضوع النازحين السوريين عليهم، وتحديداً فكرة لبنان بإعادتهم الى المناطق المستقرّة في بلادهم لتخفيف الأعباء الإقتصادية عن كاهله، لم يؤيّدوها لصعوبة تنفيذها في المرحلة الراهنة، بحسب رأيهم، ولأنّ بلدانهم تربط العودة بتوقّف النيران والمعارك. وإذ لم يلقَ المسؤولون اللبنانيون أي تجاوب من دول الخارج لتنفيذ خطّة العودة بدعم منها، قرّرت اللجنة الوزارية المكلّفة حالياً ملف شؤون النازحين أن تحسم الأمر لصالح لبنان ومصلحة أبنائه، حفاظاً على البلد وهويته وكيانه.
وانطلاقاً من ذلك، قامت اللجنة المذكورة بوضع تقرير شامل عن الأضرار والإنعكاسات السلبية للنزوح على مختلف نواحي الحياة في لبنان، إستناداً الى خطة اللجنة السابقة على أن يتمّ رفعه الى مجلس الوزراء في وقت قريب تضيف الاوساط. كما اقترحت اللجنة خططاً للتحرّك الإقليمي والدولي التي سيقوم بها لبنان لمقاربة هذه الأزمة التي تنعكس سلباً على الوضع الداخلي اللبناني، علّ دول الخارج تتعاون معه هذه المرّة من أجل تنفيذ الخطة التي سيقرّها مجلس الوزراء.
علماً أنّ خطة العودة ومراحل تنفيذها ستتضمّن العناوين الأساسية للخطة الموضوعة سابقاً، خصوصاً ما يتعلّق أولاً بحرص لبنان على حقّ عودة كلّ نازح أو لاجئ الى بلاده، وعودة السوريين الى بلادهم انطلاقاً من كون «سوريا للسوريين والسوريون اليها»، فضلاً عن حرصه على احترام ما نصّ عليه الدستور اللبناني في مقدّمته عن رفض التوطين، كما على مصلحة لبنان العليا.
على أن تحدّد الخطة فئات النازحين، من مناصرين للنظام الى معارضين له على حدّ قول الاوساط، الى جانب النازحين المحايدين والمهاجرين، لكي يُصار الى إعادة كلّ منهم الى المنطقة التي تُناسب ميوله السياسية، بعيداً عن أي ذرائع، والتمييز بين الذين تنطبق عليهم «صفة النزوح»، وأولئك الذين لا تنطبق عليهم لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحقّ كلّ منهم. فضلاً عن ضرورة وضع روزنامة محدّدة لهذه العودة على مدى سنتين أو أكثر، ووضع برنامج شامل وتفصيلي يتمّ تنفيذه على مراحل خلال هذه المدّة. كذلك ستشير الخطّة الى الميزانية المالية لتغطية تكاليف مشروع هذه العودة، وإمكانية الحصول عليها من الدول العربية والمانحة وسواها، خصوصاً وأنّ لبنان تكلّف مبالغ طائلة جرّاء استضافتهم كلّ السنوات الخمس الماضية.
كما ستنصّ على الإجراءات الإدارية التي تترافق مع العودة، والإشراف على عملية انتقال النازحين من لبنان الى المناطق السورية، ووضع الأمم المتحدة في إطارها، من خلال تقارير دورية. ولأنّ لبنان لا يُمكنه بمفرده تحمّل كلّ مسؤوليات وتكاليف العودة، فسيتمّ التوافق على تشكيل وفد لتسويق هذه الخطة عربياً ودولياً ولدى الأمم المتحدة لإقناع الجميع بها، على أن تؤمّن لها الضمانات الأمنية دولياً.
وستُحدّد بالتالي بعض المقترحات المتعلّقة بمراحل التنفيذ من اختيار المناطق المستقرّة التي يمكن للنازحين العودة اليها، فضلاً عن تجهيز الوحدات السكنية المؤقتة لهم، وتأمين مستلزماتهم الإجتماعية والصحية والتعليمية وغير ذلك. وهنا يتوجّب على كلّ نازح أن يختار مكان عيشه، في المنطقة الآمنة التي ستُخصّص للعائدين أو العودة الى المنطقة التي نزح منها.
على أنّه خلال مرحلة التنفيذ، يجب على القوى والأجهزة الأمنية التي ستواكب هذه العملية اتخاذ أقصى تدابير الحيطة والحذر لعدم تسلّل أي مجموعات إرهابية الى الداخل اللبناني أثناء هذه الفترة. كما على لبنان والمنظمات الدولية إجراء مسح شامل بعد تحقيق العودة للتأكّد من أعداد العائدين المسجّلين لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فضلاً عن تأمين التعويضات الضرورية للمجتمعات اللبنانية المضيفة التي تضرّرت جرّاء النزوح.  وسيتمّ التنويه بأنّ العودة لا تشمل السوريين العاملين على جميع الأراضي اللبنانية بإقامة عادية أو بإجازة عمل سارية المفعول.
هذا وتقرّر أن يُطلق الرئيس الحريري الخطة الشاملة لعودة النازحين السوريين من لبنان الى سوريا رسمياً في احتفال يُقام لهذه الغاية.