تبنى البرلمان الأوروبي، في الرابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر، تقريرا حول السياسة الخارجية والأمنية المشتركة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي، عكس فيه نظرة المجلس للمسائل الرئيسية التي ترتبط بالعلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي.

أدان البرلمان الأوروبي التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وطالب بفتح تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات التحالف وخرقها للقوانين الدولية. كما دعا البرلمان الأوروبي إلى التوقف عن دعم التحالف، وفتح تحقيق لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم.

إن هذا التقرير الذي اختتم به الاتحاد الأوروبي سنة 2016 خير دليل على بداية تآكل العلاقات بين السعودية والدول الأوروبية. وفي شباط/ فبراير الماضي، عزم البرلمان الأوروبي على اتخاذ قرار حازم يقضي بمطالبة الاتحاد الأوروبي بحضر تزويد الدول الأوروبية للمملكة السعودية بالأسلحة. رغم أنّ الاتحاد الأوروبي لا زال لم يقم بتفعيل القانون، فإن هذا الخبر قد لقي استهجانا كبيرا من قبل المسؤولين السعوديين الذين يعتقدون أنه يعكس عدم استعداد الاتحاد الأوروبي لتقدير الدور الذي تضطلع به السعودية في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

 كان لوجهة نظر البرلمان الأوروبي صدى متزايد على مختلف الفروع التنفيذية التابعة للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. ونعت رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، في تصريح ناري غير معتاد، السعودية "بالنظام البغيض" الذي يتوجب على الاتحاد الأوروبي الحفاظ على علاقته معه.

علاوة على ذلك، أثارت الانتقادات التي وجهها وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، إلى السعودية بسبب دعمها للإرهاب جدلا واسعا. أما في الوقت الحالي، فإن هناك توافقا بين وكالات الاستخبارات الأوروبية حول اعتبار السعودية راعية ومروجة للتيار الوهابي، الذي يُعتبر العامل الأساسي والمباشر وراء ظهور خطر الإرهاب في أوروبا.

إن الأمور لا تقل سوءا في الطرف الآخر من المحيط الأطلسي، فاعتماد الولايات المتحدة الأمريكية لقانون "رعاة العدالة ضد رعاة الإرهاب" أو ما يعرف بقانون جاستا، ألحق أضرّ بعلاقاتها مع السعودية. وقد تفاقمت الأزمة بينهما، إلى درجة أن أحد المراقبين المهتمين بشؤون الأوسط في واشنطن، أكد أن السعودية "كعلامة تجارية" أصبحت سامة على الولايات المتحدة، وهو ما جعل المملكة المتحدة تستوعب الدرس، وتسارع لتوجيه لوبيات الضغط لديها نحو دولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من أن أبو ظبي تشاطر الرياض نفس النظرة الإستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بمعاداة إيران، فإنها تتمتع بصورة أفضل منها بكثير لدى الإدارة الأمريكية.

إن التغيرات الأخيرة التي طرأت على السعودية كانت نتيجة لفشل السياسة الخارجية التي تبناها ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان. وبالتالي، فإن المملكة العربية السعودية عالقة في المأزق الذي وضعت فيه نفسها خلال الحرب اليمنية، لأنها لا زالت بعيدة كل البعد عن تحقيق أهدافها العسكرية هناك. ويعلم المجتمع الدولي أن الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، المدعوم من قبل السعودية قد أصبح، وبشكل متزايد، غير مسؤول عن الويلات التي يشهدها اليمن بسبب غياب المرونة الدبلوماسية واستفحال الفساد وسوء الإدارة.

وفي ظل هذه الأزمة، تفاقمت صعوبات الرياض العسكرية بعد "الإهانة الدبلوماسية" الأخيرة، بسبب لقاء وزير الخارجية الأمريكي المنتهية ولايته، جون كيري، بممثلي المتمردين الحوثيين في مسقط. وقد اعتبر السعوديون هذا اللقاء بمثابة الاعتراف بالشرعية الدولية للحوثيين. ويجب القول، أن الأداء السعودي في اليمن لا يمكن أن وضعه ضمن سياق دبلوماسي تهدف المملكة السعودية من خلاله إلى إبراز صورتها ومكانتها كقوة إقليمية فاعلة داخل حدود المملكة وخارجها.

إن وضع السعوديين في الجبهات الأخرى لا يقل سوءا عن الوضع في اليمن. في سوريا، يُعتبر سقوط حلب في أيدي نظام الأسد خسارة إستراتيجية للمعارضة السورية، التي تساندها الرياض، كما أنه يدعم نفوذ إيران في المنطقة التي يعتبرها الحكام السعوديون عدوهم اللدود. بالإضافة إلى ذلك، فإن "محاولة تطاول" السعودية على روسيا قد تكون لها عواقب وخيمة أيضا.

وعلى الرغم من تنامي عزلة السعودية وتدهور صورتها دوليا، فإن هناك بعض المؤشرات الإيجابية في سياستها الخارجية، مثلما حدث مؤخرا في لبنان. فبعد حالة الجمود وعدم اليقين السياسي التي شهدها لبنان لمدة سنتين، تم انتخاب المرشح الرئاسي المدعوم من طرف حزب الله، ميشال عون ليتقاسم إدارة البلاد بعد تعيين سعد الحريري، الذي تدعمه السعودية، في منصب رئيس الوزراء.

وفي حين يبدو من الواضح أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون جزءا من الديناميكية السياسية الداخلية في لبنان للتوصل إلى توافق شامل، فإن السعودية لم تحاول عرقلة أو تخريب هذا التوافق، رغم أنه دعم النفوذ الإيراني في الساحة السياسية اللبنانية عن طريق حزب الله.

وتُعتبر صفقة أوبك مثالا آخر على بداية تحسن السياسة الخارجية السعودية. ففي مناسبة نادرة، اجتمع تحت سقف الأوبك أبرز المنتجين العالميين للنفط؛ روسيا والمملكة العربية السعودية وإيران والعراق، بهدف التوصل لاتفاق يرضي جميع الأطراف لخفض إنتاج النفط، على الرغم من التباين الحاد في الأجندات الجيوسياسية لهذه الدول.

من المبكر جدا التنبؤ بإمكانية إتباع السعودية لسياسة خارجية أكثر تحفظا. ففي الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، أعلنت المملكة العربية السعودية عن إصدار أحكام بالإعدام في حق 15 شخصا تزعم أنهم "جواسيس إيرانيون". لكن إذا ما أقدمت المملكة على تنفيذ هذه الأحكام، فإن ذلك من شأنه أن يثير أزمة جديدة في العلاقات مع إيران. ولعل خير مثال على هذا، تنفيذ حكم الإعدام على رجل الدين الشيعي السعودي، نمر النمر، في كانون الثاني/ يناير سنة 2016. وهو حكم أثار بلبلة كبيرة في الوسط الشيعي. ومن الممكن أن السعوديين سيستخدمون أحكام الإعدام وما سيليها من أزمة لاختبار عزم إدارة ترامب ردع إيران.

لكن السعوديين يجب أن يكونوا على علم بأن "الإيرانوفوبيا" التي تطغى على بعض الشخصيات الرئيسية في فريق إدارة ترامب لا تعني بالضرورة استعدادهم للوقوف في صفّ السعودية. في الواقع الأمر، بالنسبة للبعض منهم، فإن كراهية إيران ذات صلة وثيقة بأجندة الإسلاموفوبيا، ومن الصعب في هذه الحالة تبين تأثير هذه السياسات على للمملكة العربية السعودية، حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بمصالح إيران. علاوة على ذلك، فإنه من المرجح أن تدفع كل من السعودية ودول الخليج ثمن مساندتها للمرشحة هيلاري كلينتون، أثناء حملتها الانتخابية، بعد تسلم ترامب لمقاليد الحكم.

 ووفقا لما وضحه دبلوماسيون أوروبيون رفيعو المستوى يقفون في صف المملكة العربية السعودية باستمرار، فإن الأثر المتراكم الذي تكبدته البلاد جراء فشل سياستها الخارجية؛ وتحديدا في اليمن وسوريا، وتزايد الصعوبات المالية المحلية بسبب تراجع أسعار النفط، وتدهور صورتها دوليا، قد تدفع جميعها الرياض إلى إعادة النظر في إستراتيجيتها.

والجدير بالذكر، أن هناك بعض الأصوات ذات المؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي تنادي بمساعدة المملكة العربية السعودية على تعزيز موقعها في المنطقة وتحقيق مصالحها من خلال إتباع إستراتيجية أمنية جديدة وأكثر نجاعة. لكن حالة عدم اليقين والشكوك التي تساور المملكة إزاء إدارة ترامب يمكن أن تكون عاملا آخرا يدفع السعوديين نحو مزيد ضبط النفس، حتى لو اضطرها ذلك إلى عقد نوع من التسوية مع إيران.

المصدر: لوبلوغ