أيّد رئيس الدبلوماسيّة الأميركيّة وزير الخارجية جون كيري إجراء الانتخابات الرئاسيّة في لبنان، لكنّه أبدى شكوكًا في قدرة الحريري على إيصال العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهوريّة. الشقّ الأوّل من التصريح والذي جاء عقب لقائه وزير الخارجية الكويتيّة فيه مباركة واضحة وتأييد ظاهر لإجراء الانتخابات، أمّا الشقّ الثاني منه فبدا شديد الالتباس مليئا بالشكوك الضاغطة وليس بالشكوك النظريّة. والشكوك الضاغطة جاءت بعد لقاء السفيرة الأميركيّة الرئيس سعد الحريري وكأنّه يوحي إلى من يعنيهم الأمر بعدم الاتجاه لتحقيق انتخاب العماد ميشال عون، وقد كشفت معلومات قبل هذا الكلام بأنّ الإدارة الأميركية لم تبدِ أي ارتياح لترشيح عون، وقد حاول الأميركيون الإيحاء بضرورة ترشيح شخصيّة توافقيّة معتدلة وليس شخصيّة مارونيّة تملك صفة القيادة، ومنفتحة على الجميع.
في المبدأ يجب قراءة موقف وزير الخارجية الأميركيّة جون كيري بسياقين:
- سياق متصل بعلاقة العماد ميشال عون بحزب الله وارتباط تلك العلاقة بورقة التفاهم التي بدورها سوّغت دخول الحزب إلى سوريا، مكتسبًا شرعيّة مسيحيّة. تشريع وجود حزب الله بكلّ المقاييس بسلاحه بوجه إسرائيل وفي قتال التكفيريين عنوان حسّاس بل شديد الحساسيّة عند الأميركيين. لم يرق لهم على ما يبدو وبحسب معلومات يتمّ تناقلها في أروقة واشنطن إظهار حزب الله بمظهر المسهّل لهذه التسوية، فالمظهر يؤدّي إلى تموضعهم في الجوهر، ويكسبهم شرعية الشراكة في الحكم من خلال وجودهم في السلطة التنفيذيّة في دائرة الصراع الأوسع، كما يظهرهم أبطالاً في جعل الانتخابات الرئاسيّة ممكنة ضمن تسوية تأتي بسعد الحريري من جديد رئيسا للحكومة فيبدون عرّابين لوصوله ويصبح بالتالي مدينا لهم، ومن ثم المالكين لأوراق القوة على المستوى الداخليّ وعلى المستوى السوريّ. وترى شخصيّة سياسيّة لبنانيّة موقف وزير الخارجيّة الأميركيّة جون كيري من حيث ردّة فعله طبيعيّاً، قياسا لما يضمرونه تجاه حزب الله ومن يتحالف معه، فالأميركيون ومنذ أشهر وضعوا حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابيّة، وفي الوقت عينه شجعوا بواسطة الكونغرس على أخذ القرار  بتجميد أرصدته بل أرصدة أعضائه من باب تقليم الأظافر في المصارف اللبنانيّة وسواها، ضمن مراقبة مشدّدة من البنك المركزيّ الأميركيّ لنقل الأرصدة أو إيداعها. إنّه سياق متكامل الأجزاء في هدف واحد وليس سياقًا متجزّئًا في مجموعة أهداف. وقد نمي من بعض الأوساط الدبلوماسيّة بأنّ الأميركيين كانوا في مراحل سابقة قد وضعوا اللبنانيين أمام خيارين إمّا الانتظار وإمّا رئيس توافقيّ. والانتظار في مدى العاصفة الهوجاء الهابة في سوريا، يؤدّي إلى فوضى هدّامة في لبنان مليئة بانفجارات متراكمة تؤدّي إلى مجموعة فتن تحتشد معالمها وخطوطها وعناصرها ومعانيها على الحدود وفي الداخل اللبنانيّ.
- سياق آخر يحاول معاكسة المسعى الروسيّ في سوريا ولبنان. المسعى الروسيّ في سوريا يتجسّد في مفهوم الحرب الجذوريّة على الإرهاب، بعكس القراءة الأميركيّة المترجمة بحرب استثماريّة على الإرهاب. ويظهر بعض المعلومات أن وزير الخارجية الروسيّ سيرغي لافروف، نصح الحريري في لقائه الأخير معه بتسهيل التسوية في لبنان، والوصول إلى إنضاج الانتخابات الرئاسيّة، بتسوية يتغلّب فيها اللقاء بين المسيحيّة والإسلام المعتدل وهو من يمثّله. هذا اللقاء من شأنه أن يأتي برئيس يمثّل بيئته تمثيلاً كاملاً وبرئيس حكومة مليء بمواصفات مرنة ومعتدلة تسمح له بالتواصل مع الجميع ضمن تلك التسوية التي تقي لبنان وتحميه من ارتداد العواصف في سوريا عليه. ويقول هنا أحد العارفين، أنّ المتطرفين في الإدارة الأميركيّة ضاغطون وعامدون على منع إنضاج تلك التسوية في لبنان، قبل نضوج تسوية شاملة تراعى فيها مصالح إسرائيل بكينونتها المغتصِبة (بكسر السين)، وهم وبحسب المعلومات لا يرون نضوجًا لها في لبنان قبل استكمال الفوضى الخلاّقة مهمتها وسيرورتها، وخلفيتها منع حزب الله الشريك الأساسيّ في التسوية من امتلاك أوراق القوّة بعناصرها التسوويّة، واستدخالها في مجلس الوزراء ومن ثمّ في المجلس النيابيّ.
من هنا تبدي بعض الأوساط تخوّفها من مجموعة عراقيل قد تتفاعل تدريجيًّا على الأرض وعند المعنيين بعملية الانتخاب لمنع قيامها. من هذه العراقيل على الأرض إمكانية حدوث عمل إرهابيّ كبير في المرحلة الفاصلة ما بين دعم سعد الحريري لترشيح ميشال عون وتاريخ الانتخابات في 31 من الشهر الجاري، هي هواجس خطيرة وجديّة تكتنف الأوساط السياسيّة والأمنية بثقل أهدافها ومعانيها. وعليه تتخوّف تلك الأوساط من مجموعة استهدافات قد تطال مواقع معينة أو تستهدف شخصيّة اساسيّة بغية تعطيل الانتخابات الرئاسيّة ومنع وصول العماد ميشال عون إلى الرئاسة من ضمن سياق التسوية بآفاقها الميثاقيّة. كلّ ذلك بإمكانه أن يتأتى بوحي من هذا الجوّ الدوليّ وبخاصّة الأميركيّ الضاغط، أو باستهلاكه سلبًا على الأرض.
شخصيّة سياسيّة معتدلة وعلى ضوء تصريح كيري، قارنت بين التاريخ اللبنانيّ المعاصر والواقع الراهن، لتخلص في قراءة لها تحت عنوان الاغتيالات السياسيّة، إلى القول بأنّ معظم القادة والسياسيين الذين اغتيلوا في لبنان كانوا مزمعين على ترسيخ عرى التواصل والاتفاق والتأكيد على السياق الميثاقيّ كواقع إنتاجيّ وإنضاجيّ وإحيائيّ للدولة بمؤسساتها كافة ومنع الإنزلاق نحو الفتن المذهبيّة والطائفيّة. وتتذكّر تلك الشخصيّة أنّ اغتيال بشير الجميل تمّ بعيد لقائه التاريخيّ مع الرئيس صائب سلام، وتحوّله من المشروع التقسيميّ إلى المشروع الوحدويّ الميثاقيّ الجامع بين المسيحيين والمسلمين ضمن نطاق الـ 10452 كلم2 واغتيال المغفور له الرئيس رشيد كرامي تمّ لمنعه مع المغفور له الرئيس كميل شمعون من توقيع وثيقة تفاهم وإنقاذ للنظام السياسيّ بالأطر الميثاقيّة على الأرض اللبنانيّة كافّة، لنصل إلى اغتيال الرئيس رينه معوّض الذي رفض قمع العماد ميشال عون بالقوّة من قصر بعبدا فتنتهي القافلة بالأسباب عينها مع المغفور له الرئيس رفيق الحريري، الذي قرّر توقيع وثيقة مع حزب الله تحمي لبنان من تداعيات الدخول الأميركيّ إلى العراق. القضيّة الواضحة أنّ معظم الاعتيالات تمّت لمنع اللبننة المتوشحّة بالفلسفة الميثاقيّة، وإبقاء لبنان تحت أيدي أوصياء ووكلاء.
على هذا الإيقاع، حذّرت تلك الشخصيّة المعتدلة، من إدخال لبنان من جديد، في بركان كبير بحال لم تتمّ الانتخابات في موعدها أو لا سمح الله بحال طرأ عامل أمنيّ داهم. لقد خشيت تلك الشخصية من مجموعة الإيحاءات المتساقطة والمتراكمة في لبنان، وتساءلت بحذر كيف يمكن حماية الاستقرار الأمني الراسخ بأطره الدوليّة وآفاقه المحليّة، إذا لم يتم الذهاب بتلك التسوية ما بين العماد ميشال عون والرئيس سعد الحريري برافعتين أساسيتين عائدتين إلى حزب الله الذي سهّل التسوية وانفتح بهدوء على عناوينها والقوات اللبنانيّة بحرصها وتشديدها على إجراء الانتخابات، إلى النهاية المظفّرة في الواحد والثلاثين من الشهر الجاري؟ وتعتقد تلك الشخصيّة كما بعض الأوساط، بأنّ تلك المسافة الفاصلة ستكون حبلى بتطورات كبرى، فقد يستهلك العنوان الانتخابيّ للضغط من خلاله على مجريات الأحداث في سوريا، وترى هذه الشخصيّة أنّ السعوديّة غير موافقة على شكل تلك التسوية ولا على مضمونها، وتفيد بعض المعلومات بأن كلام كيري في شقّه الثاني لربما انطلق من خلفية سعوديّة مختلفة عن كلام الأمير محمد بن سلمان للرئيس الحريري. كما أنّ معلومات أخرى أفادت بأنّ العماد ميشال عون ليس ولن يكون مرشّح الولايات الأميركية المتحدة، وما حصل في لبنان انتصار لمحور الممانعة الممثّل بتحالف إيران وروسيا وحزب الله، وهذا الانتصار احتوى بدبلوماسيّة ناعمة الرئيس سعد الحريري مراعيًا بدقّة تلاقي الخصوصيّات بالاتجاهات العموديّة والأفقيّة.
أين موقع الرئيس نبيه برّي والرئيس فؤاد النسنيورة والنائب وليد جنبلاط من كلّ ذلك؟ بحسب المعطيات المتكشّفة، وبعضها علنيّ وبعضها الآخر مهموس به، إنّ الشخصيات المذكورة تعيش كابوسًا كبيرًا، وتعمل في السرّ والعلن على تفخيخ النسوية وإبطال مفعولها باتصالات دائبة نحوها مع الأميركيين والسعوديين. وتظهر بعض المعلومات أن كلمة السر يمتلكها نبيه برّي وفؤاد السنيورة الذي حضر خطاب ترشيح الرئيس سعد الحريري للعماد عون بلا حماسة ولا تصفيق. ففؤاد السنيورة لا يزال يراهن على أن يكون ممثّلاً للإسلام السياسيّ الليبراليّ المتعانق والمتواصل مع الغرب الأميركيّ والأوروبيّ، وللسنيّة السياسيّة التي يأبى السنيورة مع شركائه ضمورها على الأرض، ويخيفه بصورة واضحة دعم سعد الحريري لوصول عون للرئاسة، والذي بعد زيارته له قال بأنّه مشرقيّ وأصرّ عليها غير مرّة كحالة عقيديّة راسخة. مشرقيّة ميشال عون المتلاقي في مساحتها الإسلام القرآني بالمسيحيّة الصافية والعربية اللسان والوجه عدوّة للإسلام السياسيّ وإن اكتسى كساء ليبراليًّا، السنيّة السياسيّة تتلذّذ باستبقاء المسيحيين مهيضي الجناح ومستولدين في كنف الطوائف الأخرى، فيما التسوية بين العماد عون والرئيس الجريري ستحيي مع انتخاب العماد عون الحضور المسيحيّ المتلاقي مع الحضور الإسلامي بمذاهبه كافة ضمن حكومة واحدة وقانون انتخابات جوهره المناصفة والنسبية كرئتين يتنفّس بها اللبنانيون الصعداء. أمّا وليد جنبلاط فينطلق من زاوية خاصّة تعنى بالخصوصيّة الدرزيّة، فسينتخب عون على مضض بسبب تلك الخصوصيّة، ولكنّ المنازلة الكبرى بحسب قراءته وحلفه مع برّي ستكون في التأليف، وليس في التكليف.
لبنان في النهاية أمام مفترق صعب محفوف بمخاطر عديدة منها دوليّ ومنها إقليميّ وعربيّ وداخليّ. لن تكون المحطّة بكليّتها ورديّة كما رأى كثيرون في توصيفهم للواقع المحيط بالانتخابات. لقد نجحنا في تأمين ميثاقيّة ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهوريّة، فهل سينجح اللبنانيون بوصوله إلى قصر بعبدا في الواحد والثلاثين من هذا الشهر؟ هذا رجاء، ولكنّ منسوب المخاوف أقوى من التوق، والأهم حماية هذا الإنجاز الكبير بأخذ الحيطة والحذر قبل الوصول إلى لحظة الانتخابات وما بعدها.