شكّكت الولايات المتحدة الأميركية المنشغلة بانتخاباتها الرئاسية على لسان وزير خارجيتها جون كيري بقدرة رئيس «تيّار المستقبل» النائب سعد الحريري على إيصال رئيس «تكتّل التغيير والإصلاح» النائب العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، خصوصاً أنّ التحرّكات السياسية الداخلية التي تجري على أعلى المستويات تسعى لأن تفضي جلسة 31 تشرين الأول الجاري الى انتخاب الرئيس، ما يعني إجراء هذا الإستحقاق في لبنان قبل العملية الإنتخابية الرئاسية التي ستجري في الولايات المتحدة في 8 تشرين الثاني المقبل.
لم يُعجب تشكيك كيري هذا بقدرة الحريري، أوساطاً ديبلوماسية متابعة، كونه لا يصبّ في إطاره الصحيح، على ما ذكرت، خصوصاً أنّ الدول الغربية والأوروبية التي نفضت يدها من استحقاق انتخاب الرئيس في لبنان بدليل استمرار الشغور الرئاسي منذ سنتين وخمسة أشهر دون أن تقوم بأي مبادرة ناجعة، كانت قد تمنّت ولا تزال تتمنّى أن ينتخب اللبنانيون رئيسهم بأنفسهم، وأن يتفقوا على الإسم الذي يرونه مناسباً لأن لا إسم محدّداً لديها تريد إيصاله الى قصر بعبدا، انطلاقاً من أنّ هذا الإستحقاق يأتي في آخر سلّم إهتماماتها. فما الذي جرى اليوم لكي يندهش وزير الخارجية الأميركية لدى معرفته بأنّ «الطبخة الرئاسية» في لبنان قد شارفت على الإستواء، وأنّ الحريري هو الذي بادر لإيصالها الى خواتيمها؟!
فالرئيس الأول الذي سيكون «صُنع في لبنان» (بعد «اتفاق الطائف» وليس قبله)، على ما قال رئيس «القوّات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، يجب أن يكون مفخرة للبنان واللبنانيين، كما للدول الغربية التي غالباً ما رعت انتخاب الرئيس فيه، أو اجترحت حلولاً، أو فرضت إقتراحات أو تهويلات مثل «مخايل الضاهر أو الفوضى»، وإن كانت هذه الأخيرة ربّما غير راضية عن النتائج التي تمكّن اللبنانيون من التوصّل اليها. وأهمّ ما في الأمر أنّها متلهية اليوم بأمور أخرى ما يمنعها من عرقلة الإنتخاب في لبنان لا سيما إذا ما حصل في الجلسة المقبلة التي تسبق موعد الإنتخابات الأميركية. علماً أنّ تشكيك كيري، على ما أوضحت الأوساط، لا يمكنه أن يؤثّر سلباً على عملية الإنتخاب التي ستحصل بتوافق عون- جعجع- الحريري- السيّد نصرالله، وبانضمام برّي ربّما، أو فرنجية على ما تأمل، أو سواهما من الأفرقاء الآخرين الى هذا التوافق في الأيام الآتية التي تسبق موعد الجلسة الـ 46 المخصّصة لانتخاب الرئيس.
أمّا أن يتمّ تأجيل انتخاب الرئيس في لبنان الى الجلسة الـ 47 لأي سبب من الأسباب، لا سمح الله، فهذا يعني إعطاء الولايات المتحدة الأميركية وسواها من الدول الأجنبية، إمكانية التدخّل في الإستحقاق الرئاسي اللبناني لأنّه عندها تكون قد أنهت إنتخاباتها الرئاسية وتنفّست الصعداء قليلا. لهذا يجب إنهاء عملية الإنتخاب في جلسة 31 تشرين الأول الجاري، على ما شدّدت، في ظلّ انشغال الولايات المتحدة من جهة، وانهماك الدول الأخرى في مجلس الأمن الدولي، من جهة ثانية، بإيجاد الحلول للأزمتين اليمنية والسورية.
وينتظر الجميع ما سيُعلنه الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله حول هذا الإستحقاق لا سيما بعد تبنّي الحريري ترشيح عون للرئاسة، كون موقف السيّد سيحسم نتيجة الأصوات التي سيصل بها العماد عون الى القصر الرئاسي. كما أنّه من شأن اتفاق الحريري- السيد نصرالله على مرشح واحد هو الجنرال عون، أن يؤدّي بالطرفين الى اتفاقات مستقبلية لاحقة. مع العلم أنّ ثمّة من يخشى من موقف الأمين العام حول اتفاق عون - الحريري على تحييد لبنان عن الأزمة السورية، في الوقت الذي تُشارك فيه قوّات الحزب في بعض المعارك في سوريا لحماية ظهر المقاومة والمناطق اللبنانية الحدودية، على ما أعلن السيد نصرالله في وقت سابق.
غير أنّ هذا الأمر لن يُفسد في الودّ قضية، على ما ترى، فـ «حزب الله» يريد إيصال العماد عون للرئاسة لأنّه يُحبّذ وجود الأقوياء في السلطة، لا سيما في المرحلة الراهنة التي يحتاج فيها لبنان أكثر من اي وقت مضى لأن يكون بلداً قوياً وصامداً أمام كلّ التحديات التي تواجه المنطقة. كما أنّه لا مجال اليوم لأن يدخل البلد في صراعات داخل الطائفة الواحدة، فبعد أن كان الصراع دينياً بين مسلم ومسيحي أيام الحرب، تحوّل بعدها الى صراع مذهبي بين شيعي وسنّي، على ما تشهده الدول المجاورة من العراق الى اليمن وسوريا وليبيا... وبعد أن تمكّن لبنان من وأد الفتنة الطائفية، لن يسمح اليوم بأن يتجه الصراع فيه الى داخل الطائفة الواحدة السنية من جهة، والشيعية من جهة ثانية، والمسيحية من جهة ثالثة.
لقد جرّب لبنان الحرب بين أبناء الوطن الواحد، ولن يعود اليها، على ما طمأنت الأوساط نفسها، ولهذا فإنّ الإتفاق اليوم حول انتخاب الرئيس، والإلتفاف حول ترشيح العماد عون من أجل إيصاله الى قصر بعبدا بعدد كبير من الأصوات المؤيّدة له، من شأنه أن يؤدّي الى وقف الشرخ السياسي والطائفي الضيّق الحاصل ضمن كلّ طائفة. ويمكن الإنطلاق في ذلك من مصلحة لبنان العليا أولاً وأخيراً، دون أن تمسّ هذه الأخيرة بمصالح كلّ طائفة وخصوصيتها التي يجب أن تُحترم أيضاً من بقية الطوائف.
كذلك فعلى قادة الطائفة الدرزية، الإنخراط في هذا الإتفاق لكي لا يبقوا بعيداً عن المصالحات التاريخية والتسويات الداخلية، كون أصوات نوّابهم مؤثّرة أيضاً في عملية انتخاب الرئيس، كما في الإستحقاقات القادمة مثل تسمية رئيس الحكومة الجديد، ووضع قانون إنتخاب يوصل الممثلين الفعليين عن الشعب الى الندوة البرلمانية وسوى ذلك. وقد طمأن العماد عون الجميع بأنّ أحداً من الأفرقاء الداخليين لن يبقى خارجاً طوال عهده الرئاسي، الأمر الذي يجب أن يتلقّفه الجميع بإيجابية.
وفي رأيها إنّ انتخاب الرئيس الذي طالما مثّل حاجة ملحّة للبنان في ظلّ الظروف الدقيقة والحسّاسة المحيطة به، يجب أن يؤخذ بشكل إيجابي أيضاً من جميع الأطراف، لا سيما تلك التي لا تزال معارضة لانتخاب العماد عون، كون الشغور الرئاسي سيُسدّ بعد كلّ فترة الجمود التي عاشها هذا البلد وأثّرت سلباً على حكومته وشعبه واقتصاده. ولهذا يجب أن يكون الجميع متفائلاً بالأيام والأشهر المقبلة لما ستحمله لهذا الوطن من حلول لمشاكله، وسط كلّ الفوضى العارمة التي تعيشها دول المنطقة وبعض دول العالم.