انطوان الاشقر

"نيّال يلي عندو مرقد عنزة في لبنان؟". قول شهير كان على ألسنة اللبنانيين منذ عقود حيث كان يعبّر عن رغبة العالم باسره في زيارة لبنان والعيش فيه لكثرة الامتيازات التي كان يتمتع بها في كافة المجالات.

لكن سرعان ما تبدد هذا القول الشهير مع بداية الحرب سنة 1975 وما بعد انتهاءها لاسباب عديدة، فاصبح الحلم الوحيد والامل الاخير المتبقي للشباب اللبناني عامة و المسيحي خاصة هو الهجرة ثم الهجرة ثم الهجرة الى بلاد العالم من اوروبا واميركا وافريقيا ودول الخليج.

عندما حصل لبنان على استقلاله سنة 1943، كان المسيحييون يشكلون الاغلبية السكانية ،فتم وضع دستور وتعيين الرئيس بشارة خوري رئيساً للجمهورية ومنحه صلاحيات واسعة تخوله ادارة الحكم ...

لكن عام 1975 ومع بداية الحرب اللبنانية بعد حادثة عين الرمانة و ما خلّفته من حروب وضمار وقتلى واعاقات جسدية ، بدأ الشعور المسيحي يميل الى الرغبة في الهجرة الى دول اخرى هرباً من الحرب وبحثاَ عن عمل.

ورغم انتهاء الحرب اللبنانية سنة 1990 بعد آخر حرب لبنانية بين العماد عون والقوات اللبنانية والتي سميت بوقتها حرب الالغاء الاّ ان حرب جديدة ظهرت ومن نوع اخر وهي الحرب الاقتصادية.

صحيح ان السنوات الاولى لما بعد انتهاء الحرب العسكرية والامنية اللبنانية شهدت حركة اقتصادية ونمواً اقتصادياً، الاّ ان الدين العام كان يزداد سنوياً ما يقارب ال5 مليارات دولاراً الى ان وصلنا اليوم اي سنة 2019 الى مديونية عامة تناهز ال100 مليار دولار و بطالة بحدود ال 40% و نمو تحت الواحد بالمئة و اقتصاد منهار و آلاف الشركات التي تصرف موظفيها و تقفل ابوابها و تعلن افلاسها.

في خضم هذا الواقع باكمله ، اي منذ بداية الحرب في 1975 ولغاية يومنا هذا اي العام الحالي 2019 لم يتوقف نزيف الهجرة لدى المسيحيين الى كافة انحاء العالم بحثاً عن حياة مستقرة بعيدة عن الموت والخراب والدمار وتفتيشاً عن لقمة عيشهم ومستقبل مستقر اكثر.

بداية لا بد من ذكر انه بحسب شركة “ستاتيستكس ليبانون” فان عدد المسيحيين في لبنان اصبح 34% فقط من مجمل عدد سكان لبنان.

لكن الوثائق الرسمية تؤكد أنه في عام 1926 عندما أعلن رسميًا عن دولة لبنان وأعترف بها من قبل الحلفاء شكل المسيحيين 84% من السكان.

وفي عملية حسابية بسيطة نستنتج ان عدد المسيحيين في لبنان تدنّى الى النصف وهذا الانخفاض حصل باكثريته في السنوات او العقود الاخيرة ورغم ان نسبة المسيحيين في لبنان مازالت تعتبر اعلى نسبة في بلدان الشرق الاوسط الّا ان هبوط هذا العدد بشكل ملحوظ لا يبشر بالخير خصوصاً بعد الهجرة المسيحية الكبيرة في الدول العربية المجاورة جرّاء الحروب الاخيرة التي اندلعت في العراق وسوريا حيث تمّ هجرة الاغلبية المسيحية الى كافة ارجاء العالم بسبب الدمار والخراب وتهديدات القوى التكفيرية على اختلاف انواعها من داعش الى جبهة النصرة الى القاعدة وغيرهم.

كما يعود السبب لمعدّل الخصوبة المنخفضة نسبياً للمسيحيين اللبنانيين بالمقارنة مع المسلمين فالمسيحي في لبنان يشعر ان لا مستقبل له في هذا الشرق وانه قادر على الاندماج بالدول الغربية بحكم تقارب الثقافات و العادات بين مسيحيي لبنان و شعوب الغرب وهو لم بعد مقتنع بمستقبل مزدهر في وطنه.

اضافة الى ذلك، خسر المسيحي سياسياً منذ اتفاق الطائف بعد الحرب الاهلية بين العماد عون الذي كان يومذاك رئيساً لحكومة مؤقتة وبين حزب القوات اللبنانية، فأصبحت الصلاحيات مناطة بمجلس الوزراء بحيث خسر رئيس الجمهورية المسيحي معظم صلاحياته التنفيذية ولم يتبقى له سوى صلاحية توقيع مرسوم تشكيل الحكومة بالاتحاد مع رئيس الحكومة السني المكلّف كصلاحية وحيدة فاعلة بين يديه.

ازاء كل هذه المعطيات، يمكننا الاستنتاج بان الوجود المسيحي اصبح مهدداً في لبنان وانه اذا استمر الوضع على ما هو عليه فان المسيحيين الى زوال من لبنان ومن الشرق ولبنان بلد الرسالة وبلد التعايش لن يكون كما قبل وعلى الاحزاب المسيحية والبطريركية المارونية وكافة المرجعيات المسيحية من روحية وسياسية التحرك اليوم قبل الغد من اجل مساعدة ما تبقى من مسيحيين في لبنان الذين يعانون اقتصاديا واجتماعيا وحيث بدا هاجسهم الاول والاخير هو الهجرة الى البلدان الغربية لبناء مستقبل مستقر ودائم لهم ولاولادهم.

انطوان الاشقر