قام تنظيم "داعش" الإرهابي بتنفيذ عمل عدائي مسلح في العشرين من مارس/ آذار من العام الماضي ضد القوات التركية في مدينة "أولوكيشلا" ،وقد نجم عن الهجوم مقتل ثلاثة أشخاص.

 

 

يبدو أن هذا الحادث قد فتح باب الريح، حيث كشف العديد من الأسرار الخاصة بعلاقة أنقرة بتنظيم داعش. أسفرت التحقيقات حينها عن توافر أدلة تفيد أن هناك أفراد من الشرطة التركية ضالعين في إمداد مقاتلي داعش بأسرار تصنيع المتفجرات بشكل يدوي، بل وإمدادهم بالمادة المستخدمة في هذا، كما سهل لمقاتلي داعش العبور إلى سوريا. وأضافت الصحيفة أن عددا من أفراد الأمن التركي يمدون الإرهابيين بما يحتاجونه من سلاح، إضافة إلى تسهيل الاتجار بالبشر، وتوفير العناصر اللازمة للقتال على الجبهة السورية من خلال استقدام المرتزقة.

 

هذا إضافة إلى تقرير الباحث الأمريكي ديفيد جريبير، الذي كتب مقالا في الجارديان يتساءل فيه عن مدى جدية قادة الدول الكبرى في أوروبا والعالم في السعي لتصفية تنظيم داعش، وعن سبب هذا التقارب والتفاهم الكبير بين هؤلاء القادة ة وبين رجب طيب أردوغان. وعلى خلفية أحداث باريس الأخيرة، يرى جريبير أن تركيا هي الداعم الأول لداعش، وأن مساندتها له لن تكن فقط السبب في استمرار وجوده على الساحة، بل وفي امتداد أعماله إلى دولا أخرى، حتى أوروبا نفسها. ومن الأمثلة التي يسوقها الباحث الأمريكي لتأكيد فرضيته أن تركيا إذا أرادات تصفية تنظيم داعش، لكان أولى بها مساندة القوة العسكرية التي سحقت التنظيم، وهي قوات حماية الشعب الكردي ورفاقهم بحزب العمل الكردستاني. لكن الغريب أن تركيا حين قامت بعمل عسكري لم تضرب مقاتلي داعش، إنما قامت بضرب الأكراد، وكان تهديدها لداعش تهديدا شكليا. وعندما فشل أردوغان، والكلام لازال لجريبير، في تحقيق االنجاح في الانتخابات البرلمانية، التي نجح خلالها حزب الشعوب الديمقراطي التابع للأكراد في تحقيق نجاح كاسح يحول دون تنفيذ التعديلات الدستورية التي كان حزب أردوغان ينوي القيام بها حال فوزه بالأغلبية اللازمة لذلك. لهذا لم يكن غريبا أن يتخذ أردوغان موقفا عدائيا من الأكراد واستهدافهم، بدلا من مواجهة تنظيم داعش الإرهابي. وأشار الباحث الأمريكي إلى الأدلة التي جمعها معهد حقوق الإنسان بجامعة كولومبيا، والتي أثبتت تورط تركيا في تقديم المساعدة لجبهة النصرة التابع لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش. وخلص الباحث إلى أن تركيا، إن أرادت ستساعد العالم على التخلص من تنظيم داعش بشكل سريع لو وجهت ضربات مباشرة له، وتخلت عن استهداف الأكراد.

 

وفي مارس الماضي، نشر تنظيم داعش ما يسمى بدليل الهجرة، الذي يشرح طريقة الهجرة إلى معسكراته عبر الأراضي التركية. ورغم عدم اعتراف الحكومة التركية بما يسمى بدليل الهجرة، إلا أن ما حدث على الأرض كان تسهيل المخابرات التركية هروب العناصر التي تشد الرحال نحو الانضمام إلى صفوف مقاتلي تنظيم داعش عبر الحدود التركية، وتسللها إلى الأراضي السورية. وقد كشفت الجريدة البريطانية الديلى ميل عن هذا الكتيب الذي يقع في خمسين صفحة، ويحمل عنوان "الهجرة إلى الدولة الإسلامية". يشرح الكتيب كيفية الوصول إلى مناطق الدولة الإسلامية، الطرق الآمنة، أماكن الإعاشة. والغريب أن الكتيب يؤكد بل ويتباهى بأن عناصر داعش المتواجدين في تركيا يعيشون في سلام. ومن ناحية أخرى، وأثناء انعقاد قمة المناخ في باريس، أعلن الرئيس التركي السيد رجب طيب أردوغان عن استعداده لتقديم استقالته إذا  ثبت تورطه في عمليات شراء البترول المنهوب من العراق وسوريا بواسطة تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف باسم داعش. وقد سبق وأن ألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الضوء على هذا الأمر غير مرة. وعلى ما يبدو، فإن الرئيس التركي قد خانه التوفيق في اختيار عباراته، ولا أظن أن اعتقاده الدائم أن العالم من حوله لا يمكنه إدراك ما يفعل في الخفاء سيساعده على مواصلة خداعه، بل على العكس تماما، هناك العديد من القرائن والأدلة التي تثبت تورطه الكامل مع التنظيمات الإرهابية في عملياتها العسكرية وصفقاتها القذرة. قال الرئيس التركي في حديثه للصحفيين على هامش مؤتمر المناخ في باريس: لا يمكن قبول اتهام تركيا بشراء البترول من تنظيم الدولة الاسلامية بأي حال، هذا اتهام لا أخلاقي. لن تؤثر علينا هذه الاتهامات الجزافية، من يملك الدليل ويملك مستندات عليه أن يقدمها فورا. وإذا ثبت بالفعل تورطي في هذا الأمر، سأتخلى عن منصبي فورا. حقيقة ليست هذه هي العبارة الأولى التي يظهر فيها تناقض حديث الرئيس التركي، الذي وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أفعاله في سوريا أنها طعنة في الظهر من "داعمي الإرهابيين".

 

وجدير بالذكر أن هناك العديد من الأدلة الأخرى التي تنفي تماما ما أكدته أنقره أن تركيا لم تشارك بأي شكل من الأشكال في عمليات الاتجار في النفط المهرب من العراق وسوريا بواسطة تنظيم داعش الإرهابي. منها مثلا الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية، حيث أكدت روسيا خلال قمة العشرين التي جرت في أنطاليا بتركيا لقادة العالم في وقت سابق أن أفراد من تنظيم داعش يقومون يتهريب النفط خلال الأراضي التركية ليلا ونهارا، وهو ما رصدته الأقمار الصناعية. حيث تصطف أعداد كبيرة من السيارات التي تنقل النفط في خط ممتد وكأنه أنبوب نقل بترول حي، كما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال القمة. وأشارت آنا جلازوفا، رئيسة المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية لوسط آسيا والشرق الأدنى، في إحدى المقابلات أنه تم اسقاط الطائرة الروسية سو-24 بعد أيام قليلة من ضرب روسيا لمهربي النفط السوري لعدد من الدول منها تركيا. وقد ذكر وزير الخارجية الروسي سيرجيى لافروف أن تركيا عبرت عن قلقها الشديد من استهداف المقاتلات الروسية لقوافل الإرهابيين من مهربي النفط المنهوب. وفي ذات السياق، علق أحد قاد المعارضة البارزين في تركيا إدريس بالوكين عن اعتقاده أن الهجوم على المقاتلة الروسية سو-24 كان مخططا له من قبل، في محاولة متعمدة من الرئيس التركي للتدخل المباشر لعقاب روسيا على عملياتها ضد تنظيم داعش في سوريا.