بعد عامين من طرد القوات الفرنسية قوات الجهاديين من شمالي مالي، أثار الهجوم الأخير الذي استهدف أحد الفنادق الفخمة بمالي المخاوف من أن المتطرفين الإسلاميين يكسبون الأرض مرة أخرى في هذا البلد المضطرب، على الرغم من عقد اتفاق جديد للسلام بين الجماعات المتمردة المحلية.
يأتي هذا بينما يشير مسئولون في مالي والأمم المتحدة إلى اتفاق السلام بأنه علامة فارقة محتملة لإحلال السلام. العرب يهيمنون على الشمال، كما أنهم يبدون قلقًا من تصاعد وتيرة العنف مرة أخرى. وتصارع الحكومة المركزية الضعيفة مجموعة من التحديات: الفقر الراسخ، وتهريب المخدرات، ومزيج من تزايد المنافسة، والتعاون بين الفصائل الإسلامية في منطقة غرب إفريقيا.
يقول بيتر فام، مدير مركز إفريقيا في المجلس الأطلسي في واشنطن: «ما تزال الأوضاع اليوم في مالي هشة كما كانت قبل انقلاب عام 2012»، مشيرًا إلى الاستيلاء العسكري على السلطة الذي وقع إثر استيلاء التمرد في الشمال على مقاليد الأمور. فرنسا تدخلت في السنة التالية، بعد أن استولى المقاتلون الإسلاميون على جزء كبير من الأراضي.
وأضاف أن «الفرنسيين ربما حاولوا الحيلولة دون استيلاء الإسلاميين على السلطة، ولكن لا يمكن إعادة بناء دولة ضعيفة في غضون عامين».
قلة من الناس يتوقعون أن هذه الأمة التي يبلغ تعداد سكانها 17 مليون نسمة سوف تصبح موطئ قدم للإسلاميين مرة أخرى. ولكن يشعر كلٌ من المراقبين الأجانب والماليين بالقلق من أن الجماعات المتطرفة الموجودة في البلدان المحيطة لم تزل تثير اضطرابًا من خلال استغلال الاستياء المحلي، وهذا الزخم من الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس وغيرها.
وقد أكدت اثنتان من الجماعات الجهادية مسئوليتها عن الهجوم الذي وقع الأسبوع الماضي في فندق راديسون بلو، الذي خلف 20 قتيلًا على الأقل في العاصمة الصاخبة، على بعد مئات الأميال من المنطقة الصحراوية الشاسعة التي تعمل فيها الميليشيات الإسلامية بشكل طبيعي.
يختلف الخبراء على الدافع المحتمل، مع إصرار مسئولي الأمم المتحدة على أن الهجوم كان محاولة لإفشال محادثات السلام وغيرها، مما يدل على أنه كان جزء من التنافس الجديد بين الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة، والجماعات الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في المنطقة.
هناك أيضًا آراء متضاربة حول أفضل طريقة لاحتواء العودة المحتملة للتطرف الإسلامي، بعد عامين من حكم حكومة الرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا، التي توصف على نطاق واسع بأنها ديمقراطية، ولكن فاسدة. البعض يتطلَّع إلى الجيش المالي، الذي يتألف من 8 آلاف عضو لفرض الأمن، على الرغم من أنه في حاجة ماسة إلى الإصلاح والتدريب، فضلًا عن المعدات والتمويل.
ويقول آخرون: إن الحل يكمن في سرعة تحقيق التنمية والخدمات وفرص العمل في الشمال؛ معتبرين ذلك بأنه الطريقة الوحيدة لمنع أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل من الشبان المسلمين، وكذلك المتمردين السابقين من مختلف الجماعات الانفصالية القبلية، من تجنيدهم من قبل الجماعات الجهادية الممولة جيدًا.
يقول المنجي حمدي، الممثل الخاص للأمم المتحدة في مالي: «إنه لإنجاز عظيم أن تتحدث المجموعات المتقاتلة بصوت واحد، ولكن نحن بحاجة إلى تحقيق مكاسب السلام – المياه والكهرباء والطرق والمدارس – حتى يرى السكان أن السلام أحدث فرقًا في حياتهم»، وأضاف: «هذا هو الدافع الذي من شأنه أن يبقي الناس متمسِّكين بالسلام».
تعتمد مالي بشكل كبير على المجتمع الدولي فيما يتعلق بالأمن والاقتصاد، تتمركز قوة حفظ السلام الدولية مع أكثر من 10 آلاف جندي هناك، وتتمركز قوة فرنسية أصغر لمكافحة الإرهاب منذ عام 2013. وتأتي كميات كبيرة من مساعدات التنمية من الولايات المتحدة وفرنسا وبلدان أخرى. ويقول بعض النقاد: إن التمويل يتم التفريط فيه عن طريق الرشوة، ولكن حمدي وآخرين يرون أن هناك حاجة إلى أكثر من ذلك لتعزيز دور الدولة في مناطق النزاع.
حتى الآن، يُنظَر إلى مالي، إلى حد كبير، باعتبارها تعاني من افتراس الجماعات المتطرفة، التي نشأت في الدول المجاورة، احتشدت الميليشيات الليبية في شمال مالي، بعد الإطاحة بالدكتاتور معمر القذافي في عام 2011، وشكل الزعيم الجهادي الجزائري سيئ السمعة مختار بلمختار جماعة المرابطين، التي يعتقد معظم الخبراء أنها التي قامت بالتخطيط لهجوم فندق راديسون بلو في 20 نوفمبر.
في الأشهر الأخيرة، كما يقول الخبراء، تغيرت الخريطة الإقليمية للتنظيمات الجهادية. برزت على الأقل مجموعة واحدة جديدة في مالي، جبهة تحرير ماسينا. إنها واحدة من المجموعات التي ادعت أنها نفذت هجوم الفندق. وبينما بدأ تنظيم القاعدة يتوارى أمام الصعود المتنامي لتنظيم داعش، غيرت الجماعات الجهادية الصغيرة في المنطقة من تحالفاتها وولاءاتها مع جانب واحد أو آخر.
وقال عدد من المسئولين والخبراء الدوليين: إن ما سيحدث في مالي في الأشهر المقبلة يمكن أن يعزز الاتجاهات الأكثر تطرفًا في المنطقة، يقول الممثل الخاص بالأمم المتحدة في مالي: «مالي في وسط الساحة الآن، وهي بلد ضخم يمتلك حدودًا مع سبعة آخرين، ويمكنها أن تؤثر على كل منها». وأضاف: «يتعين على المجتمع الدولي اتخاذ موقف أكثر جدية، إذا فقدنا مالي، سيُغيِّر هذا عقلية المنطقة، ثم سيبدأ البرابرة المتعطشون للدماء في مهاجمة كل مكان».
لدى مالي، المستعمرة الفرنسية السابقة، التي تبلغ نسبة المسلمين 95 % من سكانها، تقاليد من القيم الإسلامية المعتدلة المختلطة مع النفوذ المسيحي، ولكن الفساد الحكومي والإهمال جعلا العديد من الماليين ينظرون بمزيد من القلق إلى السياسة العلمانية، وفق ما قاله الخبراء.
يقول آدم تيام، وهو كاتب عمود في صحيفة (لو ريبابليكان): «لدينا دولة علمانية ودستور، ولكن الناس يشعرون بالاستياء من سوء الإدارة والفساد». وتابع: «لماذا لدينا تنظيمات جهادية؟ لأننا نحاول بناء دولة حديثة دون موافقة الشعب. إذا لم يكن هناك المزيد من اليقظة الدولية على نظام الدولة الفاسد، فسنرى المزيد من التفجيرات الانتحارية».
وهناك مشكلة منفصلة أصبحت أيضًا متشابكة مع العنف والتطرف الديني في مالي، وهي تجارة المخدرات المزدهرة. كل شهر، تتدفق الملايين من الدولارات في الكوكايين والحشيش والمخدرات الأخرى، التي تصل إلى مالي من المنتجين العالميين، في أماكن، مثل: كولومبيا وجنوب شرق آسيا، ويتم تهريبها إلى شمال الجزائر وخارجها. وتشمل التجارة الجماعات المتمردة المسلحة، وكذلك الميليشيات الجهادية، والتي تستخدم الأرباح للدفع للمقاتلين، وشراء الأسلحة.
قال مسئول دولي لم يرغب في ذكر اسمه؛ لأنه غير مُصرَّح له بالحديث مع الوسائل الإخبارية: «تقع المخدرات في قلب الاضطرابات في الشمال، لا يريد المهرِّبون السلام؛ لأنه يعرقل عملهم، إذا لم نمنع هذا العمل، لن يدوم الاستقرار أبدًا».
تهدد هذه المجموعة من المشاكل، مجتمعةً ـ المنافسات الجديدة والتحالفات التي تشجع المهاجمين الجهاديين، خيبة الأمل الشعبية في الحكومة، ونقص الموارد اللازمة لدعم وعود السلام في الشمال، الشبكات الإجرامية الراسخة، وعلامات انتشار نفوذ الإسلاميين ـ تهدد بإفساد لحظة الأمل التي خلقتها اتفاقات السلام الموقعة في يونيو.
يقول مامادو كامارا، رئيس تحرير مجلة، والمسئول الصحفي السابق في إدارة كيتا: «لم تزل هناك ديناميكية سلام إيجابية، ولكن الدولة ضعيفة وفاسدة، ولم نحظَ بحكومة ديمقراطية، سوى لمدة سنتين فقط». وأضاف: «إن الخطر الأكبر الذي نواجهه اليوم هو أن الزخم الإيجابي سوف ينقلب إلى دوامة جديدة من العنف».

 

ساسة بوست