غادا فؤاد السمّان

منذ عقد من الزمن وحتى اليوم، لم نشهد للجامعة العربية نشاطاً يُذكر، إلا عندما رهن رئيسها السابق «نبيل العربي» جميع مهامها، لتنفيذ مخطط «الربيع العربي» بحذافيره وفق السيناريو المرسوم لنكبة بعض بلدان المنطقة العربية حرفيّاً، حين جعل من الجامعة العربية مجرّد أداة في يد اللاعبين الكبار من المنطقة العربية، والدولية على حدّ سواء، ولم يوفّر أي شعور بالعداء تجاه سوريا وليبيا والعراق واليمن وحتى فلسطين.. وربّما نجح في إخراج سوريا فعلياً من عباءة الجامعة العربية، ولكنه لم يفلح في إقالة أو إبعاد رئيسها كما كان يهدف ويطمح هو ومعظم الدول التي رعت ودعمت الإرهاب في كامل المناطق والأراضي السورية التي عاثت الفوضى والخراب والدمار والدم والموت في أرجائها طوال فترة السنوات الثمانية التي لم تشهد خلالها موقفاً إيجابياً يُذكر للجامعة العربية، بل للأسف لم تتأخر في جلسة من الجلسات الطارئة للدول العربية عن إظهار الإفتراء المتواصل والحقد المستمر تجاه سوريا، بحجة نظامها.

ولأن من شيم الإنسان السوري «ابن الشمس» أن يترفّع عن أحزانه وأن يضبط آلامه ويسمو على الوجع، ويرفض الأنين والإستسلام والإنكسار والشفقة، آثر القفز عن العتاب والسخط والمواجهة، بعدما خرج من حربه «المجانية» الطويلة وقد بدأت المناطق السورية تتعافى بجميع أطيافها، وهي الآن تمرّ في طور النقاهة الذي لا بدّ منه، بعد فشل المشروع الأميركي الصهيوني الخليجي، وبعد عودة السيادة والاستقرار وإن ببطء في معظم المناطق السورية وانحسار الدواعش بكامل عتادهم وأفرادهم وعقائدهم ونظرياتهم وقناعاتهم وإرهابهم في «إدلب»، حتّى الأكراد الذين كانوا يمنون النفس باقتطاع وطن قومي كردي من الشمال السوري بدعم من الأوهام «الأميركية»، منيت بخيبة وخزيّ وصحوة وإن متأخرة جعلتها تسلك جميع الطرق المؤدية لقبولها من جديد تحت مشيئة العناية والرعاية والحماية السورية.

أمّا البوادر العربية اللافتة فقد بدأت مع زيارة الرئيس السوداني «عمر البشير» والتي ترتّب على هذه الزيارة الكثير من التعليقات والتحليلات والقراءات والفرضيات والاحتمالات والمآخذ التي جعلته يتلقّى رد الفعل المباشر وفور عودته إلى الخرطوم، حين كبّدوه ثمن خطوته بإشعال فتيل الثورة فوق الأراضي السودانية المنقسمة أصلاً بين شمال وجنوب، والتي تتخبّط بالأساس في ظل فقر وفاقة وأزمات لا تُحصى.

الإمارات بدورها لم تتردّد في فتح سفارتها في العاصمة السورية دمشق، بإعادة تأهيل وتشغيل سفارتها في أرقى أحياء دمشق، والتي إن فعلت ذلك فهو حتماً لصالح الإماراتيين الذين يعشقون سوريا ومناخها وجغرافيتها بقديمها وحديثها، ببحرها وجبالها، بمدنها وريفها، بصناعاتها وزراعاتها وآثارها، بحضارتها وجمالها، وعاداتها وتقاليدها وأناقة ناسها ولباقتهم، وبكل تفاصيل فيها تساهم في صناعة المشهد العام، فكان لا بدّ من اعتماد السُبل الدبلوماسية للوصول إلى فتح البوابات السياسية بين البلدين من جديد.

البحرين بدورها صرّحت بأنّ السفارة السورية تمارس مهامها داخل البحرين وكأنها بذلك كانت تُبرر غياب ممثليها فوق الأراضي السورية بحجّة الحرب، ولكن تحاول أن تؤكّد أن العلاقات الأخوية والدبلوماسية بين البلدين لم تتوقف ولم تتأثّر خلال سنوات الحرب، وهنا يطيب لنا جميعاً أن نقبل التوضيح والتصريح، عن حسن نية وطيب خاطر، وتغاضي متّفق عليه ضمناً وعلناً لخدمة الصالح العام بعدم التدقيق حيث تكون السلامة، لا الندامة التي فات أوانها وانقضى مع انقضاء الحرب.

والجميع يعلم أن السعودية من جهتها كما «الإبن الضال» تبذل جهدها في الخفاء أيضاً، لتفتح السُبُل وكافة الأبواب المغلقة بينها وبين سوريا وخاصّة بعد أزمة الخاشقجي، وبعد كشف النوايا الأميركية باستنزاف الثروات السعودية، وخاصّة النفطية منها تحت طائلة دعم الرغبات السعودية بالحكم الداخلي المُطْلَق لولي العهد، والسيطرة الخارجية للهيمنة على القرار وتسيّده في المنطقة العربية، وربّما سوريا لن تتأخر في قبول البوادر الحسنة لقرب المصافحات والمصالحات التي تتمحوّر حولها ومعها حسم مسألة الصراع في الشرق الأوسط، كونها تملك العديد من المعطيات والحيثيات لتكون واسطة العقد والحل والربط في الشرق الأوسط، لما فيها من ثروات، ولما لها من مواقع استراتيجية ومنافذ متشعّبة على معظم طُرُق الحرير.

كلّ المذكور أعلاه، والجامعة العربية المتمثّلة بشخص رئيسها «أحمد أبو الغيط»، لا تزال مكتوفة الأيدي، لم تحرّك ساكناً، ولم تأخذ على عاتقها كمجموعة أو عاتق رئيسها كفرد أيّة بادرة تحفظ ما تبقّى من ماء وجهها أمام الزمن والأجيال والتاريخ، أو تساهم بإعادة الماء إلى مجاريها بينها وبين سوريا التي أخرجتها من عضويتها ظلماً وعدواناً، ولم تستطع طوال سنوات الأزمة أن تجد السبيل لموقف مشرّف يكرّس دورها الحقيقي الفاعل والمؤثر في حياة شعوب المنطقة العربية، كل ذلك لا يهم، فقد أصبح من الماضي، وسوريا تركت ماضيها المُشْرِق في آثارها الصامدة ولو أن الكثير منه تمّ تدميره وفق خطط ممنهجةٍ، كما حصل في تدمر وحلب وحمص وصيدنايا، إلا أنّ سوريا لن ترضخ لركام الدمار والخراب طويلاً، بل هي تنهض كما نهضت شقيتها لبنان كالعنقاء بعد حربها الأهلية الطويلة، وسوريا اليوم تنفض عنها غبار الحرب، لتلملم أشلائها، وتفسح الطريق للمقاولين والمهندسين والعمال والممولين بإعادة إعمارها وازدهارها الحتمي القريب، وقتها هل سيظل لبنان متردّداً في اتّخاذ القرار لمشاركتها عند مؤتمراته، وهل سيظلّ العالم العربي صامتاً إلى الأبد، وهل سيبقى السيد أحمد أبو الغيط محايداً إلى ما لانهاية، أم أنه سيثبت أنه يختلف عن نظيره السابق، وأنه رجل قرار، ورجل موقف، ورجل كلمة، وبوسعه أن يستخدم صلاحيات الجامعة العربية لتستحق اسمها، ويتصرّف بدافع من مسؤولية وواجب وشهامة وحريّة واستقلاليّة وجدارة واحترام أكيد للذات..؟!